الراصد القديم

2017/08/01

يوليو .... ثورة وعقيدة -


سومر المهداوي

من الخطأ ان نتصور ان الثورة العربية المصرية قد بدأت في 23 يوليو 1952 م , وانما كان ذلك اعلانا رسميا عنها تمكن فيه الضباط الاحرار من القضاء على الملكية والاستعمار ومن ثم اقامة نظام جمهوري في اشد الظروف الدولية قسوة وشراسة .
لقد كان 23 يوليو تتويجا رسميا فقط لتلك الجهود التي ماتراجعت يوما ولا عرفت الاحباط او اليأس .

الثورة كانت موجودة قبل هذا التاريخ في معاناة المصريين من تسلط الاستعمار المتمثل بالملكية , واهدار المال العام في ظروف جعلت عموم الشعب المصري يعاني من الفاقة والفقر , بينما اقتصرت اهتمامات الملك على اللذات والشهوات من نساء وخمر ومقامرة دون استتار او احترام لقيم الشعب المصري العربي المسلم , بالاضافة على عدم وجودة دولة مصرية حقيقية بالمفهوم السيادي المؤثر في قضايا الشعب والامة , حيث كانت مصر غائبة بشكل شبه كامل عن التاثير في الساحة العربية والاقليمية ,
يظهر ذلك جليا في احتلال اسرائيل لفلسطين لغاية 1947م ومن ثم حرب 48 , والابادة التي يتعرض لها العرب في الجزائر على يد الاحتلال الفرنسي , والمحاولات الجادة لربط الوطن العربي بالاحلاف العسكرية الاستعمارية واهمها حلف بغداد , كل ذلك ومصر في عالم اخر , حتى جاءت ثورة يوليو التي عبر عنها القائد ( لقد كان 23 يوليو بدء تاريخ جديد ) .

الواقع السياسي :
لقد كانت الساحة المصرية تعج بالتناقضات الفكرية والسياسية , فلقد عرفت مصر احزاب وحركات سياسية علنية وسرية , من اقصى اليمين الى اقصىاليسار , منها الوطنية ظاهرا ومنها الديمقراطية والشيوعية والاسلامية ,
وكانت مطالب هذه الاحزاب محصورة بين التخلص من الاستعمار والملكية واقامة نظام جمهوري الى الاصلاح من خلال البرلمان في ظل الحكم لملكي , وتصاعد مد الاخوان المسلمين والمشاركة في حرب فلسطين كان من اهم الاسباب في تزايد تاثيرهم على الساحةالمصرية , بينما ساهمت الثورة الروسية ونجاحها في دعم الحركات الشيوعية وحتى التروتسكية اضف الى ذلك بقايا الاحزاب القديمة من وطني ووفد , وكانت الكثير من تلك الاحزاب تتبلور وتتقدم وتنضج فكريا وتنظيميا وجماهيريا مع غياب لتيار يعد ابن البيئة العربية المصرية الاسلامية , الا وهو التيار القومي العربي . لذا كانت الثورة بمثابة الفتح العربي الثاني بعد الفتح الاسلامي على يد عمرو بن العاص (رض) .

من الفالوجة ولدت الثورة :
كان الجيش ليس ببعيدا عن ذلك الواقع السياسي لمصر وفيه من مختلف التيارات الفكرية ما يجعل الملك يشعر بالخطر المتزايد عليه , ولطالما فكر باشغاله بحرب خارج الارض المصرية , فالثورة المهدية في السودان كانت ذريعة خففت من تلك المخاوف بعد ارسال عدد من كتائب الجيش للمساهمة بالقضاء عليها ,
حتى جاءت حرب 48 فرصة سانحة للتخلص من الكوادر الوطنية التي تطوعت للمشاركة من اجل التحرير ,
وكيف لا وان الجيش المصري قد ذهب لتلك الحرب باسلحة قديمة وعتاد فاسد , اذن الهزيمة اكيدة , مالم يتوقعه الملك هو ان يصنع هؤلاء النصر ويعودوا الى وطنهم عودة الابطال ,

كان من نتائج تلك الحرب هو تشتت الجيش المصري الى جماعات صغيرة تبحث عن حتفها من غير دعم او اسناد , ومن تلك المجموعات 4000 جندي يقودهم ضابط سوداني قومي عربي هو السيد طه ومساعده الضابط جمال عبد الناصر , عاش هؤلاء 125 يوما , يموتون كل يوم مئة مرة , تنهال عليهم القذائف والطائرات من كل صوب وحدب , كان ذلك في قرية كانت تعرف (الفالوجة ) , محت بيوتها واختلط فيها الجيش بالاهالي , استطاعت هذه المجموعة بتصميم المؤمن بالله ونصر الامة ان تواجه كل ذلك , وان تملي اخيرا شروطها بعدما ظفرت بالنصر وتمكنت من قتل 500 من الصهاينة واسر قسم اخر ,

لماذا الفالوجة ؟؟
كان عبد الناصر يحلم بتحرير مصر الذي تخلت قيادته عنهم يلاقوا مصيرهم عن سبق اصرار , وادرك يومها بان لانصر الا من الشعب , حيث كان الاهالي يفتحون لهم الثغرات ويمدونهم بالمساعدات من ماء وغذاء وعتاد ,
يقول القائد ( كنا نحارب في فلسطين ولكن احلامنا كلها كانت في مصر ) ,
كان يدرك بان تحرير القدس لايمكن له ان يتم من دون تحرير القاهرة والعواصم العربية الاخرى ,
ومن هنا جاء الربط للقضية الفلسطينية بالواقع العربي المؤلم ,

يقول عبد الناصر ( حين انتهى الحصار وانتهت المعارك وعدت الى الوطن كانت المنطقة كلها في تصوري كًَلاً
واحدا ) , بل حتى الربط الانساني الاجتماعي والقومي كان للفالوجة دورا كبيرا فيه يقول " كنت التقي في تجوالي فوق الاطلال المحطمة ببعض اطفال اللاجئين الذين سقطوا في براثن الحصار بعد ان تخربت بيوتهم وضاع كل ما يملكون واذكر بينهم طفلة صغيرة كانت في مثل عمر ابنتي وكنت اراها وقد خرجت الى الخطر والرصاص الطائش مندفعة تحت سياط الجوع والبرد تبحث عن لقمة عيش او خرقة قماش , وكنت اقول في نفسي قد يحدث هذا لابنتي وكنت مؤمنا بان الذي يحدث للفلسطينين كان يمكن ان يحدث لنا , ومازال احتمال حدوثه قائما لاي بلد في هذه المنطقة

الضباط الاحرار :
لم يكن عبد الناصر هو الوحيد من جيله الذي ادرك مأساة الأمة , واسراف حكامها وشكلية الحروب التي يخضونها , واستهتارهم بالدماء العربية وراء ستار التحرير , عبد الناصر كان واحدا من هذا الجيل , ولكن ما الذي جعله عبد الناصر الرجل الاسطورة ؟ ورغم ان عدد هؤلاء الضباط لايزيد عن 90 ضابطا , ثلثيهم من الرتب الصغيرة , الا ان تاثيرهم لدى زملائهم في الجيش كان كبيرا , كشفت انتخابات نادي الضباط وفوز مرشحهم امام مرشح الملك , عن قوة هذا التنظيم الذي اعد للثورة وخطط لها وفجرها في احلك الظروف من التعسف والقهر ,

كان عبد الناصر قد التقى هؤلاء الوطنيين بعقائد مختلفة سياسيا , ورتب مختلفة عسكريا وهو امر مهم في السياق العسكري , لكنه تفرد بصفة القيادة وصدق المشاعر , وشخصية جذابة كتب عنها الكثيرون واعترف اخرون بذلك رغم اختلافهم معه , كان يحتوي بطيبته الماركسي مع الاسلامي مع القومي ويؤطر العقائد المتباينة بعقيدة واحدة مصنوعة من الواقع المصري والعربي , يصوغها بروح صوفية للتوحد مع الوطن والامة , فوجد هؤلاء انفسهم في تنظيم واحد اطلق عليه ( الضباط الاحرار ) انبثق عنهم ( مجلس قيادة الثورة ) , حملوا ارواحهم على اكفهم لينقذوا مصر من الجهل والتخلف والعبودية .

اعلان الثورة :
رغم ان الثورة اعلنت في 23 يوليو من عام 1952 م , الا ان العهد الملكي ظل متواصلا بتشكيل مجلس الوصاية اثر تنازل الملك عن العرش لابنه احمد فؤاد الثاني حتى 18 يونيو1953 م , وتعيين محمد نجيب رئيسا , فكان بداية العصر الجمهوري , حتى انتخب جمال عبد الناصر رئيسا في 23 يونيو 1956 م , ومن ثم رئيسا للجمهورية العربية المتحدة ( مصر وسوريا ) في فبراير 1958 م ,
منذ اعلان الثورة شرعت بالا ندفاع على مختلف الاصعدة داخليا وخارجيا ,
ويصعب على المرء ان يحصي الانجازات المادية والمعنوية التي قدمتها الثورة ,
الا ان تلك الانجازات جاءت ضمن سياق واحد هو ( تحديد المشكلة ثم ايجاد الحل ) وهو ما عرف باسلوب التجربة , دون اللجوء الى صيغ نظرية جاهزة

المنطلقات النظرية للثورة :
نستطيع ان نحدد تلك المنطلقات طيلة فترة عبد الناصر من خلال وثائق ثلاث هي ( فلسفة الثورة , الميثاق , بيان 30 مارس ) بالاضافة الى مجموعة خطب الرئيس التي طالما جاءت مطابقة للخط العام لتلك الوثائق .

ولقد اتسمت تلك المنطلقات بانها جاءت ترجمة للواقع المصري ومن ثم العربي والدولي , تربط بين الحرية من قبضة المستعمر من جهة واستغلال الانسان العربي من جهة اخرى , مما جعل من الثورة اكبر من اداة التغيير العسكري الحاصل , ولقد كانت المبادئ الستة طور من اطوار النضوج في تلك المنطلقات التي نستطيع ان نجملها بما يلي :
1 - اعتماد الحل السلمي في الصراع الطبقي وهو اسلوب يعتبر مبتكرا في تذويب الفوارق الطبقية , بعد ان كانت النظريات الماركسية قد حصرت تلك المهمة بالنضال الطبقي وسيطرة البروليتاريا , فكانت الثورة اول من رسم ملامح هذا الطريق العربي للاشتراكية وهو ما عرف لدى بعض المفكرين ( الاشتراكية العربية ) بعد ان كان الخروج عن الاشتراكية العلمية يعتبر بمثابة بدعة لدى حتى الاحزاب العربية الاشتراكية .
2 - الاعتماد على الدين في تعزيز القيم الانسانية التي تشكل العaود الفقري في الانجازات الحضارية , وهو من جهة اخرى يعد بمثابة الربط بين ما هو قومي واسلامي باعتبار ان الامتين العربية والاسلامية يشتركان بتاريخ يمتد الى بداية ظهور الاسلام في الجزيرة لعربية , وحمل رايته من قبل العرب الى اصقاع الدنيا .
3 - الحرية باعتبارها كل لا يتجزء , فلا حرية لمواطن في وطن محتل , ولا حرية مع الاستغلال الطبقي , فصناديق الاقتراع لاتحدد الحرية دون تحرير ارزاق الشعب , وهو ربط شامل للحرية الاجتماعية مع السياسية , ومقدمة لبناء متكامل للحرية والديمقراطية .
4 - العدل والكفاية , كفاية في الانتاج تتطلب تعزيز الصناعة الوطنية ودعمها من اجل تضييق الخناق على المستورد الذي يستنزف قدرات البلد , وهو ما عرف بالاكتفاء الذاتي , ولقد كان للثورة اليوغسلافية دور في ذلك , ثم العدل في التوزيع والفرص المتكافئة , وهو منطلق نحو المساواة والعدالة .
5 - الانتماء المتعدد الهوية لمصر فهي دولة عربية افريقية تنتمي الىعالم اوسع هو العالم الاسلامي , ومن ثم العالم النامي .
6 - ان انتماء مصر لتلك الحلقات المتسعة لايعني انها ستاخذ دور المتفرج لما يدور حولها من حرب باردة بين الكتلتين العملاقتين , ويجب ان تسعى الى فضاء واسع تستطيع من خلاله ان تاخذ دورها الرائد , فكان تاسيس عدم الانحياز تتويجا لهذا التطلع في 1955 م .
7 - ان وجود الكيان الصهيوني بين ظهراني هذه الامة , يجعلها تشعر بالخطر الدائم , وهذا يتطلب الرد بشكل ايجابي على هذا الخطر التوسعي بوحدة الامة والعودة الى وضعها الطبيعي قبل التجزئة ,
8 - بما ان الثورة وحسب قول عبد الناصر نفسه ( دون تنظيم سياسي ودون نظرية كاملة للتغيير الثوري ) , فانها وبدون شك ستعتمد على وضع اهداف مرحلية غير قابلة للتنازل او التفريط للحفاظ علة ديمومة الثورة , فهي اذن ثورة مستمرة تجاوز مفهوم الانقلاب العسكري وتغيير نظام الحكم .

منجزات الثورة :
قلنا ان الثورة اعتمدت في سياق الانجازات اسلوبا تجريبيا نابعا من التناقضات الحادة داخل المجتمع المصري نفسه وعلاقته بالمحيطين العربي الاسلامي والدولي ,
فعلى الصعيد الداخلي كان الموطن المصري اذا ما تجاوزنا الاحتلال المباشر وغير المباشر , يعاني من المحسوبية والاقطاع والاستغلال , فجاءت القرارات بالغاء الالقاب , والقضاء على الاقطاع بقانون الاصلاح الزراعي , ومن ثم التاسيس لبنية القطاع العام ,
ولم تكن معاناة المصري من التخلف والجهل والمرض باقل من ذلك , فكانت القرارات الخاصة بمجانية التعليم والتامين الصحي ونشر الوعي الوطني والقومي .
وللدفاع عن الامة شرعت الثورة في بناء جيش قوي قائم على الولاء للشعب , وادراكا منها بخطورة الاعتماد على جهة واحدة في التسليح , قامت بتسليحه من مصادر متعددة ,

كذلك كان تأميم قناة السويس 1956 م قرارا مزدوج التاثير اقتصاديا وسياسيا , قام على اثره العدوان الثلاثي
وكان وضع الحجر الاساس للسد العالي 1960 م بداية للخلاص من مخاوف طالما هددت الفلاح المصري بالفيضان او الجفاف مثلما كانت بداية للاعتماد على الذات المصرية في الانجازات الكبرى بعدما تخلت امريكا عن دعم المشروع , اضف لذلك اهتمام الثورة في بناء المصانع وادخال التكنولوجيا المتطورة من اجل بناء قاعدة مادية رصينة وتحقيق مجتمع الكفاية والعدل .
الا انه وبصراحة يبقى بناء الانسان العربي وترسيخ المفاهيم القومية والتحررية , ودعمه لقيمةالحرية في الجزائر والعراق واليمن و حركات التحرر في العالم هو الانجاز الاكبر لثورة يوليو الخالدة .

الثورة المضادة :
بعد انتهاء المرحلة الاولى من التحرر الوطني باجلاء القوات الاجنبية وتاميم قناة السويس والتخلص من كل اشكال التبعية , بدات المرحلة الثانية من التحرر الديمقراطي , وهي المرحلة التي تشهد دائما الخلافات وفقا للخلفيات الثقافية والسياسية لرجال الثورة , ولقد تجلت تلك الخلافات في هيمنة المؤسسة العسكرية , وتسلط اجهزة الامن والمخابرات , الامر الذي ادركه عبد الناصر, وحاول بكل ما اوتي من شجاعة وصبر ان يصلح العطب الكامن في اجهزة الدولة , دون ان يسبب ذلك نوع من الاحباط لدى المواطن المصري او العربي , الا ان نكسة حزيران 1967 م كشفت وبشكل واضح كل ما اراد اصلاحه , وبارادة الرجل المؤمن بالله وبقدرات الشعب والامة , انبرى عبد الناصر ومنذ الايام الاولى للنكسة باعادة الثقة الى الانسان العربي , وتحمله المسؤولية التاريخية لتلك الهزيمة في وقت حاول الاخرون التنصل عنها , ايمانا منه بان الثورة مستمرة , وان هذا يؤكد الخطر الصهيوني علىالامة العربية التي تشكو من الضعف والتجزئة والتي طالما نبهت اليه الثورة . فشرع في اعادة بناء القوات المسلحة ومن ثم حرب الاستنزاف 1968 م.
لقد كانت تلك المحنة قاسية الوقع على عبد الناصر الذي يحلم بالحرية والوحدة لهذه الامة , ولربما كانت واحدة من اجهزة الدولة قد ساهمت بشكل او اخر في تلك النكسة , الامر الذي جعله في ترقب دائم لكل ما يجري من حوله , يحاول الاطلاع والامساك بمقاليد الأمور , كي ينهض من جديد , ويصرخ ثانية ( ارفع رأسك يا اخي !! ) , فكيف لا وهو من اعلن مسؤوليته ؟؟ فهل نقول بانه ديكتاتوريا ؟؟

ان افضل ما استطيع ان ارد به , هو ما قاله هيكل بهذا الصدد , ( ان تجربة عبد الناصر كانت عربية شاملة , تجاوزت حدود مصر ) , ولنسأل انفسنا ( أي سلطة قهر كانت له على الجماهير خارج مصر ؟ ) ويقول ايضا ( هل استطاعت هذه السياسة ان تجعل من العرب قوة سياسية ضخمة تتصدر التيارات الفاعلة , ام ان الرجل كان ضد التحرر ومحالفا الى الاستعمار وداعيا الى الطغيان , ولنتحقق في سياسته العربية , هل كانت مع التاريخ او ضد التاريخ ؟؟ ) ,

هكذا يبدو الحديث عن الثورة , هو بصورة أخرى حديث عن القائد جمال عبد الناصر , وهذه الحقيقة كشف عنها غياب القائد في 28 ايلول 1970 م , حيث انكمش دور مصر العربي , مثلما شهد المواطن المصري تفريطا بانجازات الثورة والعودة به الى عصور الظلام والعبودية .

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر