الراصد القديم

2017/08/01

الجزائر أمام قضية التعريب... مجدّدا


توفيق المديني

 
اتخذ مجلس إدارة مؤسسة بريد الجزائر قرارًا يقضي بإلغاء اللغة الفرنسية من جميع الوثائق والمحرّرات الرسمية الصادرة عن المؤسسة، وتعويضها بوثائق محرّرة باللغة الوطنية، وتعهد بوضع الآليات اللازمة لتطبيق القرار على أرض الواقع، وإعلام وزيرة القطاع بتفاصيل تنفيذه. ووفقًا للوثيقة التي وزّعها مجلس إدارة البريد على أجهزة الإعلام الجزائرية، سيتم تحرير الوثائق الإدارية باللغة الوطنية، من دون الإشارة إن كانت عربية أو أمازيغية، سواء العقود أو القرارات أو غيرهما، كما نصت الوثيقة بصريح العبارة على "أن استعمال اللغة الوطنية في تحرير الوثائق الرسمية سيكون لتعويض اللغة الفرنسية المستعملة حاليا".

وعلى الرغم من أن وزيرة البريد وتكنولوجيا الإعلام والاتصال، هدى إيمان فرعون، التي تشغل منصبها منذ عام 2015، وقعت على القرار المذكور في 4 يونيو/ حزيران الماضي،غير أنّه لم يتم بعد تطبيق أي نقطة من القرار. وعلى الرغم من أمر الحكومة السابقة باستعمال اللغة العربية في المراسلات والطعون وكل التعاملات، وتعميم استعمالها على كل المنشآت وهيئات الحالة المدنية، وعلى الرغم من محاولات بعض مسؤولي القطاعات إلزام موظفي قطاعاتهم بتحرير المراسلات والتقارير بالعربية، ظلت كل هذه المحاولات محتشمةً لحفظ ماء وجه اللغة العربية، في ظل الهيمنة الكبيرة للغة الفرنسية على مختلف مفاصل الإدارة الجزائرية.

وصف مفكرون وباحثون وسياسيون جزائريون مدافعون عن سيادة اللغة الوطنية، والحال هذه العربية، قرارالوزيرة الجزائرية بتعميم استعمال اللغة العربية في إدارة مؤسسة البريد، وفي كل مراسلاتها وتقاريرها، بأنه شجاع وفريد من نوعه، لأنّ من شأنه أن يُسْهِمَ في تسهيل تعامل الجزائريين مع مؤسسةٍ يرتادها يوميًا ملايين المواطنين، لقضاء مصالحهم المالية، وأجْمَعُوا على أنّ موضوع التخلص من عقدة اللغة الفرنسية يحتاج إرادة سياسيّة حقيقية.

صدام مع اللوبي الفرانكوفوني
قرار وزيرة البريد وتكنولوجيا الإعلام والاتصال الجزائرية، وكذلك قانون تعميم استعمال اللغة العربية الذي صدر في الجزائر عام 1991، ووقعه الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، لكنه جُمِّدَ إلى ديسمبر/ كانون الأول 1996، تلاه الرئيس اليامين زروال الذي أصدر مرسومًا يلغي فيه التجميد، وبعد مغادرته الحكم، جاء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في 1999، وترك القانون مجمّدا من دون مرسوم رئاسي، يطرحان مسألتين في غاية الأهمية، لكنهما مترابطتان:

الأولى: تحول الدفاع عن خيار التعريب إلى مسألة قومية، لها علاقة عضوية بالهوية العربية الإسلامية للجزائر، وتحولت مقاومة التعريب إلى دفاع عن اللغة الفرنسية في شكل دفاع عن "الثقافة الشعبية" من الحركة البربرية، هي صنيع الفرانكوفونية في الجزائر، فاللوبي الفرانكوفوني المسيطر على الدولة الجزائرية يهاجم اللغة العربية، ويحاول القضاء عليها، لا سيما في الإدارة، وهو من يقف في وجه التعريب. وعندما أصدر البرلمان الفرنسي قانون تمجيد الاستعمار في الجزائر في 2005، وعلى الرغم من محاولات النواب الجزائريين إصدار قانون مضاد لتجريم الاستعمار الفرنسي، فإنّ اللوبي الفرانكفوني المتحكّم في الدولة منع صدوره.
الثانية: لخيار التعريب علاقة بسياسة الدولة في مجال التعليم والاقتصاد والسياســة عامة. فللحركة البربرية التي أسست لخدمة الفرانكوفونية أكثر من خمسة أحزاب سياسية في الجزائر وهي التي تناصب العداء لخيار التعريب، وما حققه من استقلال لغوي وثقافي عن اللغة الفرنسية في جميع مراحل التعليم وتخصصاته. ولايزال قانون تعميم اللغة العربية مجمّدا منذ عهد المجلس الأعلى الذي ترأسه علي كافي، ولا شيء يلزم التعامل بالعربية، ما عدا المجلس الشعبي الوطني (البرلمان) الذي يلزم أن تكون المناقشات والمراسلات بالعربية، فيما تتعامل عموم المؤسسات الخاصة والعمومية للدولة الجزائرية بالفرنسية.
وقد كان موضوع التعريب ولا يزال موضوع صراع بين طرفين متصادمين في تكوينهما الثقافي والأيديولوجي والسياسي، وفي رؤيتهما للمشروع الثقافي على صعيد الجزائر. وفي جو خلا من الحوار الموضوعي والديمقراطي طوال السنوات الطويلة الماضية، تحول النقاش إلى حوار طرشان، وبحجج أيديولوجية مسبقة وجاهزة، يغلب عليها الطابع العاطفي، إذ يزعم كل طرفٍ، بوعي أو من دونه، وبما يتوقعه أنه يخدم المصلحة العامة على صعيد الثقافة الشعبية.
والواضح أن الدفاع عن خيار التعريب، باعتباره خياراً قوميا وديمقراطيا، بصرف النظر عن الجهات التي تقف وراءه وخلفياتها الأيديولوجية والسياسية، هل هي منساقة ومنخرطة مع هذا الخيار أم تستخدمه لأغراض سياسية، قد قابلته مجموعة من التيارات المقاومة لخيار التعريب الذي يصب، في المحصلة النهائية، في موقع الدفاع عن اللغة الفرنسية في شكل الدفاع عن الثقافة الشعبية، خصوصا من الأحزاب السياسية البربرية، وأبرزها حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية. وقد أرجع البروفيسور في علم النفس، أحمد قوراية، ظاهرة التشبث باللغة الفرنسية، إلى ذهنية جزائريين كثيرين، انبطحوا حسب وصفه "انبطاحا للفرنسية، ومن دون تفكير، ومن دون غربلة، وأيضا إلى الرواسب الاستعمارية، حيث تركت فرنسا وراءها نخبةً تعمل للحفاظ على لغتها حيّة وفاعلة في الجزائر، وتتحاشى اللغة الوطنية، واعتبر قوراية أن التعامل بالفرنسية، خصوصا في الإدارة الجزائرية، هو استعمار ثقافي واجتماعي للجزائريين.

إعادة بناء الدولة الوطنية
لا يهم خيار التعريب في الجزائر الشعب الجزائري فحسب، بل كل الشعوب العربية، ويقتضي هذا الأمر توضيح المسائل التالية:
أولا: أدخل الاستعمار الفرنسي لغته إلى الجزائر، باعتبارها من أسلحته الإيديولوجية والثقافية، لسلخ الشعب الجزائري عن لغته الوطنية العربية، وحرمانه أكثر من قرن، الأمر الذي جعل الجزائر تعيش حالةً من الانقطاع التاريخي على صعيد التواصل الثقافي والوطني. ومن هذا المنطلق، اللغة الفرنسية التي استحوذت على قسم مهم من أبناء الشعب الجزائري، عبر حرمانهم من ثقافتهم ولغتهم الوطنية، وهي العربية، دخيلة على الشعب الجزائري، ولا يمكن بأي حال اعتبارها جزءا من الثقافة الشعبية.

ثانيا: تأجيل قانون التعريب، بالتالي، يخدم تراجع الدولة الجزائرية عن خطة التعريب أحد أهداف الحلم الاستعماري الفرنسي الكبير في الجزائر، الذي لا يزال يمارس ضغوطا متعدّدة على السلطة الجزائرية (بواسطة اللوبي المصنوع لهذا الهدف في الجزائر، وهي الحركة البربرية) من أجل الإبقاء على سيادة اللغة الفرنسية في كل المرافق الاستراتيجية للدولة: الإدارية والاقتصادية والعلمية والإعلامية والعسكرية، كما الحال للبلدان الإفريقية الفرانكوفونية أي الناطقة بالفرنسية لغة رسمية سائدة، والتي اختارت لغة الاستعمار الفرنسي فجر استقلالها، لأنها لا تملك لغة وطنية سائدة على مستوى أقطارها.

ومن هذا المنظار، لخيار التعريب علاقة عضوية مباشرة بخيار التعليم، ولأن التعليم إذا قيّض له أن يسهم إسهاماً حقيقياً في تكوين الإنسان من المدرسة إلى الجامعة، باعتباره إنتاجاً للبشر الذي لا يعطي ثمارا إلا بعد سنوات طويلة، حيث تمتص المجالات المتعددة الاقتصادية والسياسية والثقافية كل الكوادر المقتدرة والموهوبة، يتطلب أن يكون ضمن سياسة وطنية ثورية وقومية ديمقراطية شاملة للحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والوطنية، في الوطن العربي عامة، وفي بلدان المغرب العربي خاصة، أو لا يكون. إذا، التعريب في البلاد العربية عامة، والجزائر خصوصا، هو مسألة لها علاقة عضوية مباشرة باهتمام الدولة الوطنية بسياسة المواطن، ماديا وفكريا أولا وأساسا، فالتعريب ليس مجرد برنامج يطبقه هذا الوزير أو ذاك، بل هو اختيار إيديولوجي وسياسي وثقافي واع للأمة العربية، لكي تخوض المعركة الفكرية والثقافية والتعليمية بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الغربية المهيمنة، علمًا أن سلاحنا في هذه المعركة، نحن دعاة التعريب، ضعيف، بحكم قانون التفاوت في التطور على صعيد الإمكانات الثقافية والحضارية بيننا وبين الغرب.

ثالثا: طابع التخلف الذي يطبع لغتنا العربية عامة، وخيار التعريب في المغرب العربي خصوصا، نابع بشكل أساس من التأخر التاريخي لمجتمعاتنا العربية. ولما كانت اللغة العربية، عبر مسارها التاريخي، بنية تحتية أسست لظهور المجتمع المدني، وتبلور فكرة الأمة، ضد كل التوصيفات الماركسية التي تعتبرها جزءاً من البنية الفوقية فقط، فإنها تشكل الآن، أكثر من أي وقت سبق، المعبر الرئيس الذي تنتقل فيه المجتمعات العربية من حالة التأخر التاريخي إلى التقدّم، ومن القعود إلى النهوض. والحال هذه، ليست اللغة العربية عاجزة عن استيعاب العلوم الدقيقة وتعلمها، لاسيما الرياضيات العليا، والفيزياء النووية، والهندسة الوراثية، والميكانيك المعقدة. ولأن هذه العلوم والرياضيات مصطلحات وأرقام ورموز تترجم أحيانا إلى اللغات الآخذة، وتنقل كما هي، أحيانا ً أخرى، من اللغات المأخوذة، عندما تكون أسماء عالمية تستعمل باللفظ أو الرمز نفسه في جميع اللغات، واللغة العربية لكي تكتسب كل خصائص اللغات العلمية الحية والمعاصرة والحديثة، وتدخل حلبة التنافس تحتاج إلى التأهيل العلمي، واللغة والمستوى العلمي مترابطان، إذ لا يمكن للإنسان العربي أن يعيش بعقله في جهل القرون الوسطى، وعصور الانحطاط، بينما في لسانه يعيش في عصر الذرة والكمبيوتر والإنترنت، فحياة اللغة العربية مرتبطة بالتحرّر الراديكالي للأمة العربية في كل مجالاته أولا، وبحياة الفكر والثقافة المبدعين ثانيا.

وهكذا تبدو حياة اللغة العربية مرتبطةً بالثورة الفكرية والثقافية الشاملة، على الصعيد العربي وبالثورة السياسية التي تؤسس لبناء مجتمع مدني حديث، بالتلازم مع بناء دولة الحق والقانون. ومن هذا المنظار، تصبح حياة اللغة العربية هي أساس تحقيق تحرّر الشعوب العربية من الاستبداد والتبعية والتخلف.

خيار التعريب كل لا يتجزأ، فهو لا يتم في التعليم وحده، ولا في اللغة على انفراد، بل يتم في جميع مؤسسات المجتمع، تسيّره قوانين حازمة، بعيدة عن التمتع بالرخاوة البرجوازية والثقافة الأميركية المهيمنة. إنه ليس سؤالاً ثقافيا، ولا سؤالا يهم فقط المثقفين العرب، وفي مقدمتهم القائمون بعلم الاجتماع واللغة العربية، لكي تحقق قفزة نوعية في تطورها التاريخي، ولكي تتجاوز تأخّرها التاريخي، حيث إن التعريب، على صعيد المناهج العلمية والتكنولوجية، خيار واحد من المعضلات الأساسية التي تواجه القوى القومية، والديمقراطية العربية، ويتطلب حلاً ثوريا صحيحا.

هناك تلازم بين اللغة، باعتبارها أهم وأخطر أعضائنا العقلية، وبين محتواها الفكري والحضاري، والسياسي، والاقتصادي، والاجتماعي. ولهذا، فإنّ اللغة والمجتمع المدني ودولة الحق والقانون مقولات تتقدّم معا، وتتراجع معا أيضا. ولكي تسهم اللغة العربية في الإنتاج العلمي والتكنولوجي، على المثقفين العرب، باللغات الانكليزية والفرنسية والألمانية وغيرها من اللغات الحية، ألّا يحصروا مهمتهم العلمية في نقل المصطلحات الأجنبية وشرحها للطلاب فقط، بل مهمتهم الأساسية توخي استراتيجية للترجمة طويلة الأمد، لنقل الروح العلمية والتخليق التكنولوجي إلى اللغة العربية، لكي تصبح لغتنا العربية، بعد أن تهضم هذه الترجمة، بالتوازي مع مواكبتها تطور العلوم الدقيقة والتكنولوجية، قادرة على عملية التخليق العلمي والتكنولوجي، على الرغم من الصعوبات البنيوية الناتجة من طبيعة مجتمعاتنا العربية المتأخرة تاريخيا، والمتسمة بالفوضى والإهمال.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر