الراصد القديم

2017/10/01

العراق لا يحتاج لعمامة!


شهباء شهاب

زمننا هذا، ليس زمن الأنبياء، والأصفياء، والصالحين. هذا زمن الفتن العظيمة، والشر المستطير. ولكي نحافظ على الدين، وقداسته، وجماله، ونقائه الأفضل أن نبقيه بعيدا عن السياسة وأهلها، وعن الحكومات بمختلف ألوانها، وأشكالها، وبعيدا عن المتطفلين، والمتملقين، والمتزلفين، والوصوليين، والمرتزقة، ومن يركبون كل موجة رائجة،عالية

الدين مكانـه القـلب فحسـب. هو العلاقة الجميلة، الرائقة،الهادئة، النَدِية مع الله، العلاقة التي تلجأ لها لتطمئن، وترتاح، وتسترخي، لا لتقلق، وتتعذب، وتشقى. الدين هو المحبة الرقيقة، البيضاء، النقية، هو المحبة غير المشروطة، هو باب الله الواسع، الكبير، المفتوح على مصراعيه على الدوام، والذي تتركه خلف ظهرك طويلا، وربما تنساه لثقتك بأنه سيكون في مكانه أبدا، لا يتغير موقعه أو شكله، أو هيأته، أو درجة انفراجه؛ باب لا يقف عنده حاجب، أو وزير، أو سفير، أو مَلْك.

حشر الدين في السياسة، والدولة، والحياة العامة، والحروب، والصراعات سلب من الدين هيبته القديمة، ومذاقه الساحر الأخاذ، وقدسيته الطاغية، المبهرة، ورونقه البهي، المبهج. هذا الحشر القسري، كان مخططا له، ولم يكن إعتباطيا، أو عفويا، أو طارئا.

الساسة الذين خططوا لهذا الحشر، ورسموا خريطته، وبرامجه فعلوا ذلك لضرب عصفورين بحجر واحد؛ الأول هو إستخدام الدين كأداة مؤثرة لكسب الجماهير، ولاسيما الجماهير الساذجة، المتواضعة في ثقافتها، و إطلاعها لتمرير برامج سياسية مرسومة، والحصول على السلطة، والثروة، والامتيازات. والثاني هو ضرب الدين من الداخل عن طريق تشويه صورته، وشرخ حصونه، والحط من قيمته، وضرب مكانته في قلوب المؤمنين به. فإذا بالمؤمنين ينهشهم الشك في دينهم، ويأكلهم اليأس، ويساورهم التخبط، ويغريهم البعد عن الإيمان، ويستدرجهم الإلحاد والإنكار، ويتملق لهم الخواء الروحي، والتفاهة النفسية.

عشنا حياة ماضية لم نكد نرى فيها عمامة تتجول هنا، أو هناك، أو تحكم هنا، أو هناك، أو تظهر على الناس في محطة تلفزيونية، أو إذاعية، أو ترعد وتزبد، أو تحرض على العنف، والقتل، والإرهاب، وقطع الرؤوس، وتقطيع الأوصال، والنهب، والسلب، والحرق، وهدم البيوت، واغتصاب النساء. كنا في ماضي الأيام، لا نرى المُعَمَّم إلا في برنامج ديني مثلا، أو عند التوجه لأماكن العبادة. ما بالنا اليوم أصبحنا لا نرى غيرهم في كل شأن صغير، أو كبير، عظيم، أو تافه، شأن سلم، أو شأن حرب. ماذا حصل للدنيا ! من أين أتى كل هؤلاء ! هل أخرجتهم مفقسة مثلا ! هل أنتجتهم ماكينة للاستنساخ البشري ! لم يبقوا شأنا صغيرا، أو كبيرا إلا وحشروا أنوفهم الكريهة فيه.
لماذا نهجر العمامة ؟ لأنها ببساطة لا تصلح للحكم، ولا تصلح للسياسة، ولا تصلح لإدارة الدولة، لأن عصبيتها دينية، ولأن عصبيتها مذهبية، لأن عصبيتها ليست للوطن، لأن عصبيتها ليست للإنسان، لأن عصبيتها ليست لمصلحة الوطن، والشعب، ونحن تعبنا من هذه العمامة التي لم تجلب لنا سوى الحرب، والخراب، والدماء، والدمار، والفوضى.

هذه العمامة هي التي خطفت خيرة شبابنا؛ كانوا بعمر الورود اليانعة، سيقوا إلى الموت بجنون عمامة حمقاء. كفانا دماء، كفانا جوعا، وفقرا، وعوزا؛ كفانا حربا، كفانا شقاقا، ونفاقا، كفانا جهلا، وغفلة، كفانا وجعا، وثكلا. نحن بشر، ولسنا حجرا؛ نحن بشر نستحق الحياة، نستحق أن نعيش، نستحق الخبز بكرامة. هؤلاء المشركون الجدد، لماذا هم بحاجة لخلق أصنام جديدة، عمائم يعبدونها من دون الله، بعد أن علمنا الله أن ننبذها؛ هؤلاء المشركون الجدد لماذا عادوا إلى جاهلية العرب الأولى، وأشركوا بالله أهوائهم، ومعمميهم؛ هؤلاء المشركون الجدد مضحوك عليهم حد الثُمالة، مضحوك عليهم من قمة الرأس، لأخمص القدمين.

الغليان المتفجر الذي يشهده العراق، منذ تسيّد ما يسمى بالأحزاب الدينية عليه، وإمساكها لمقدراته، وفشلها الذريع في خلق دولة ناجحة، ونجاحها المنقطع النظير في إنشاء دولة اللادولة، ودولة الميليشيات المسلحة، التي تعيث فسادا، وإجراما، وجنونا لا تطفئه إلا ثورة غير معلنة، ثورة هادئة، كالثورة الكيبيكية الهادئة، الثورة التي شهدتها مقاطعة كيبيك الكندية في ستينيات القرن المنصرم، لسحب المجتمع من بين قبضة الكنيسة الكاثوليكية. هذه الثورة أنتجت تحولات جذرية سريعة، إجتماعية، وسياسية، وحياتية كان لها أثرها في علمنة المجتمع، وفك أرتباطه بالقيم الدينية، ومظاهرها في الدولة، والحياة الاجتماعية. الثورة الكيبيكية الهادئة، قامت عندما أدرك الشعب أن أوان التغيير قد حلّ، وهكذا تم رفع شعار «حان الوقت لإحداث تغيير ما» في إنتخابات عام 1960. نتائج هذا التغيير برزت في تقليص دور الكنيسة الكاثوليكية في المجتمع، وسحب سيطرتها على قطاعات مهمة، مثل التعليم، والرعاية الصحية.

ما يسمى بالمرجعيات الدينية لم تستطع أن تقدم شيئا استثنائيا للعراق، وذلك لأنها مرجعيات غير حرة، وغير مستقلة في قراراتها، ومحكومة بإملاءات خارجية. المرجعيات التي لا تستطيع التغيير الجذري، والتأثير الفعال في حياة المجتمع، هي مرجعيات عاجزة، هرمة، ومعوقة، ولا قيمة لها. ذهب زمن المرجعيات الدينية، وأنتهى من كل العالم، ولم يعد له وجود، مثلما ذهب زمن الشيوعية، وزمن الدكتاتورية.

العراق لا تنفعه العمائم؛ دولة القانون والمؤسسات، وفصل الدين عن الدولة تماما، هو الحل الوحيد لينهض العراق على قدميه، وهو السياسة التي تتبعها معظم دول العالم شرقا وغربا. نحن لسنا بحاجة لمصباح علاء الدين لنخلق عراقا جديدا؛ نحن بحاجة لتحرير العقول من الهوس المرضي بالتدين الزائف، وإطلاق سراحها من سجن الخرافة والدجل.
دين الله ليس في حاجة لكهنة، ومراجع، وعمائم، وحوزات، وصوامع، وسادة، وعامّة. السياسة مصالح، لا مكان للعواطف فيها، ولذلك فالمُعَمَّم لا يصلح للحكم، لأن العمامة مشحونة بالعصبية، العصبية لدين ما، ولطائفة ما، ونحن نريد عصبية عراقية، عراقية فحسب، عصبية عراقية تحتضن كل الألوان والأطياف العراقية.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر