الراصد القديم

2017/10/01

لا سلام مع إسرائيل


 عبد الحليم قنديل

بالعقل البارد وحده، وبغير تشاؤم مضاف ولا تفاؤل مفتعل، فلا فرصة حقيقية لسلام أو تسوية على الجبهة الفلسطينية مع كيان الاغتصاب الإسرائيلي، حتى مع تسارع التطورات المريبة، وتدافع دول عربية، وخليجية بالذات، إلى إقامة جسور تطبيع مع إسرائيل، والانتقال من العلاقات السرية إلى الواجهات العلنية.

والسبب ظاهر في ما نعتقد، فالحديث عن فرصة سلام قد لا تتكرر، لا يبعث عليه سوى حسن الظن بنوايا الرئيس الأمريكي المهووس دونالد ترامب، وميله إلى بيع كلام فارغ، من نوع «صفقة القرن» التي كف عن ذكرها، أو وعوده بالسعى لتسوية كبرى، وتوالي لقاءاته بنتنياهو وعباس، ودفع آخرين إلى قمم عار مع نتنياهو، لا يقصد بها سوى نشر إيحاءات في غير محل، وتشجيع أطراف عربية بعينها على التعاون مع إسرائيل، وربما التحالف معها ضد إيران، مع تقزيم الحق الفلسطيني إلى حزمة إجراءات تلطيف عابر، من نوع التسهيلات على المعابر والمعونات الاقتصادية، ووقف الحديث تماما عن تسوية الحد الأدنى المفترضة من قبل أطراف عربية، وطمس عنوانها الكلاسيكي عن إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية المحتلة.

وقد تحتاج إلى أن تخلع عقلك، لكي تصدق أن إسرائيل، بنتنياهو أو بدونه، يمكن أن تقبل بفكرة إقامة دويلة فلسطينية في غزة والضفة والقدس، وبالذات في المدى المنظور، فقد أغلقت إسرائيل ملف القدس تماما، واعتبرت ما تسميه القدس الموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل، وكادت تكمل تهويدها، بالتوحش في الاستيطان، وإعادة هندسة المدينة، ورمي الكتل السكانية العربية إلى خارج حدود القدس.

وربط المدينة جغرافيا بمستوطنات التهويد الكبرى في الضفة الغربية، التي صارت تحتل في مجموعها نحو نصف مساحة الضفة كلها، وبكتل من المستوطنين تفوق الستمئة ألف نسمة، مع حشر الفلسطينيين في معازل مقطعة الأوصال، وتحويل حياتهم اليومية إلى جحيم إذلال متصل، وترك تكاليف معايشهم لسلطة فلسطينية وهمية، تتكفل بها عبر تسول المعونات، وانتظار تعطف إسرائيل بدفع مستحقات الجمارك على المعابر، واستنزاف موارد المياه الفلسطينية في الأغوار، وفرض وجود الاحتلال الفعلي بلا تكلفة تقريبا، فلا شيء يتحرك من مكانه بدون إذن إسرائيلي مسبق، وحتى الرئيس الفلسطيني نفسه، لا يستطيع التحرك ولا السفر إلا بتصريح إسرائيلي، برره الرئيس عباس بأنه نوع من التنسيق المدني، ولا يدخل في سياق «التنسيق الأمني»، الذي تلتزم به السلطة الفلسطينية، رغم الإعلان عن تجميده، وتتعهد فيه بمطاردة واعتقال كل من يفكر أو يشرع في عمل فدائي، وإذا تخلفت أو تقاعست وعجزت، تعطي إسرائيل لنفسها الحق الفوري في المطاردة عبر المنطقة (أ)، التي يفترض أنها ممنوحة في اتفاق أوسلو للوجود الأمني الفلسطيني، بينما في المنطقة (ب) وجود مختلط فلسطيني إسرائيلي، وفي المنطقة (ج)، التي تشمل ستين في المئة من مساحة الضفة الغربية، وغير المأهولة بالسكان إلا قليلا، فلا وجود لسلطة غير سلطة الاحتلال المباشر، وهو ما يتسق مع الفكرة الجوهرية في «أوسلو»، وهي منح الفلسطينيين حكما ذاتيا للسكان بدون الأرض، وخفض تكاليف الاحتلال إلى أدنى حد.

والذين يحدثونك عن مفاوضات جديدة، أو عن حل نهائي في المدى المنظور، يجهلون أو يتجاهلون ما جرى، فقد جرى عقد اتفاق أوسلو في سبتمبر 1993، وكان التصور المعلن أنها ترتيبات موقوتة، وأن التفاوض على الحل النهائى يستغرق خمس سنوات بعدها، وعلى موضوعات محددة بينها الاستيطان والمياه والحدود والقدس واللاجئين، وبهدف إقامة دولة فلسطينية عام 1999 بحد أقصى.
وقد مرت إلى الآن أربع وعشرون سنة لا خمسا، استغرقت المفاوضات منها نحو عشرين سنة، ثم قررت إسرائيل وقف التفاوض بالاستيلاء الكامل على القدس والتوحش في الاستيطان، ولم تقم الدولة الفلسطينية ولا شبه الدولة، اللهم إلا في وثائق الأمم المتحدة، وفي اعترافات دولية متناثرة بوجودها الافتراضي، لكنها لم تقم في الواقع أبدا، ولم يحدث من تغير، إلا بقوة الناس والمقاومة المسلحة في الانتفاضة الثانية، التي أجبرت إسرائيل على الجلاء عن غزة من طرف واحد، وتفكيك مستوطناتها السبع فيها، فلم تتحرر قطعة أرض بغير سلاح المقاومة في الأربعين سنة الأخيرة، وعلى نحو ما جرى في جنوب لبنان، ثم في غزة، وحيث جرى في الحالين خلق توازن ردع جديد، لم تنجح إسرائيل أبدا في حروبه، وهو نسق أداء مختلف، هو وحده الذي يخلق فرصة للتحرير وللمفاوضات المنتجة، فما يجري على طاولات التفاوض، ليس شطارة تجارية ولا مناشدات عاطفية، بل موازين القوى على الأرض هي التي تحكم وتؤثر، ولا أحد يكسب بالتفاوض شيئا أبعد من مدى مدافعه، مع الإدراك العميق بالطبع لاتساع معنى المقاومة، وشمولها لصور من المقاومة الشعبية الجماهيرية، على نحو ما أبدع الفلسطينيون فيه بمعارك المسجد الأقصى الأخيرة، وقد نجحوا في كسر أنف إسرائيل رمزيا، وبوسعهم أن يكملوا الطريق نفسه، خاصة بعد الاتجاه لمصالحات عباس وحماس برعاية مصرية، وهو ما قد يضيف إلى إمكانية توحيد الكفاح الفلسطيني، وليس الاكتفاء بتقاسم ترتيبات سلطة وهمية، ولا بحرمان الفلسطينيين من الدعم العربي الرسمي بما يسمى «مبادرة السلام العربية»، التي يريد البعض اختصارها في التطبيع المفضوح مع بقاء الاحتلال.

ولا يجوز القياس في الشأن الفلسطيني على المعاهدة المصرية ـ الإسرائيلية، المعروفة إعلاميا باسم «كامب ديفيد»، ولا على معاهدة «وادى عربة» الأردنية الإسرائيلية، التي لم تتضمن إعادة شبر أرض للأردن، بل نصت على تأجير أرض أردنية إلى إسرائيل لمدة قرن كامل، بينما جرت إعادة سيناء صوريا لمصر، ومقابل ثمن محدد، هو إخراج مصر بثقلها الحاسم من دائرة الصراع مع إسرائيل، ولم تكن النتائج «رائعة» ولا يحزنون، فقد فرضت المعاهدة نزع سلاح شبه كامل في سيناء، وبعمق يصل إلى مئة وخمسين كيلومترا من خط الحدود المصرية ـ الفلسطينية التاريخية، وحظر إقامة مطارات وموانئ حربية بحرية مصرية في سيناء كلها، وهو ما جعل من عودة سيناء عملا صوريا، ظلت آثاره الوبيلة تتفاقم، إلى أن جرت تطورات السنوات الأخيرة، وعاد الجيش المصري بكامل هيئته إلى سيناء كلها، وبما أنهى عار نزع السلاح المترتب على المعاهدة المشؤومة، أي أن الصورة في أصلها لم تكن «رائعة»، ولم تتغير إيجابا بغير الخروج عن شروط المعاهدة وقيود ملاحقها الأمنية، وبسياسة وطنية براغماتية لا تخلو من ذكاء لافت، استثمرت التواصل الأمني مع إسرائيل في تحرير حركة السلاح المصري، وتحرير سيناء فعليا لا صوريا، وبتضحيات هائلة اليوم لجنود الجيش المصري وضباطه، تصل ما انقطع مع نتائج ملاحم عبور الجيش المصري في حرب أكتوبر 1973، وبدون أن تنجح معاهدة السلام (إياه) في اختراق جدار الرفض الشعبي المصري لإسرائيل، ولا في تكريس اعتراف بمشروعية التطبيع مع إسرائيل، التي أغلقت سفارتها بالقاهرة على مدى تسعة شهور أخيرة، بعد أن جرى إحراق شعبي لمقر السفارة الأصلي في 2011، وانزوت السفارة إلى مقر مهجور معزول لإقامة السفير الإسرائيلي، وهي حالة حصار شعبي لن تتغير مهما جرى، ومهما توالت مظاهر دفء رسمي مصطنع، فقد اتخذ الشعب المصري قراره الذي لا راد له، وظلت عقيدة الجيش المصري راسخة كشعبه، فالخطر الأكبر على مصر يأتي دائما من الشرق، ووجود كيان الاغتصاب الإسرائيلى في ذاته، بالحرب أو بدون الحرب، يظل خطرا داهما على الوجود المصري في ذاته، وهو ما لا يستطيع صانع القرار الرسمي تخطيه، حتى إن تجاهله أحيانا، وبدليل سعي القاهرة الرسمية المتصل لتكثيف وجودها على الجبهة الفلسطينية، ففلسطين هى خط الدفاع الأول عن الوجود المصري، وقضية فلسطين قضية وطنية مصرية.

وعلى عكس الترويج لما يسمى سلام محتمل، أو صفقة كبرى ممكنة على جبهة التسوية الفلسطينية، فإن المنطقة أقرب إلى حرب جديدة منها إلى سلام، فلا يشغل إسرائيل الآن أكثر من إيران النووية الصاروخية، وتغير خرائط المشرق العربي بعد حروب سوريا، وتنامى قوة حزب الله بالذات، وتداخل جبهة الجنوب اللبناني مع جبهة الجنوب السوري في الجولان المحتل، وإسرائيل تدرك أنها لا تستطيع وحدها مواجهة التطورات الجديدة، ولا الفوز في حرب تشنها وحدها ضد إيران، وتسعى لدفع أمريكا إلى حرب مباشرة تدفع عنها الخطر الإيراني، وترامب المحاصر سياسيا في واشنطن، يسعى لكسب دعم إسرائيل واللوبي اليهودي، ويزيد من نبرته العدائية الفجة لإيران، ويريد ضم أطراف عربية للتعبئة العامة ضد إيران، وإقامة تحالف خليجي مع إسرائيل، وهذا هو المعنى المضمر في الحديث المموه عن صفقة سلام إقليمي، هي في حقيقتها توريط للعرب في استنزاف لوجيستي ومالي جديد، لا يخدم في النهاية سوى تكريس الاحتلال الإسرائيلى لفلسطين.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر