الراصد القديم

2017/10/01

برزانيستان!




ليس استفتاء البرزاني على انفصال كردستان العرق سوى تتويج لمسار انفصالي تليد وجد فرصته السانحة لفرض أمره الواقع على هامش غزو العراق واحتلاله وضرب أسس الدولة فيه. لكنما توقيته، وعلى الشاكلة التي تم بها، إذا ما وضعنا جانباً الاستقواء بالاحتلال وحال عراق ما بعده، أي الذي لم يسترد عافيته بعد، والمنهك المنشغل بمواجهة بقايا داعش، فهو، أي الاستفتاء، في جانب منه ليس سوى هروب انتحاري للخروج من مأزق سياسي وأزمة حكم في الإمارة البرزانية…تآكل شرعية تسلُّط زعيم الأسرة الحاكمة، الذي انتهت ولايته الثانية كرئيس للإقليم منذ سنتين، وتعطيله للبرلمان، وتصاعد المعارضة لتسلُّطه، والفساد المستشري في إدارة الإقليم، يوازيه افلاساً مترتباً عليه أولاً، وتدني أسعار النفط، الذي وضع يده على مردوده عنوةً وبعيداً عن موافقة السلطة المركزية ومراقبتها، ثانياً، وبالتالي، وإضافة إليه، توقف بغداد عن تزويد الإقليم بحصته الوازنة والأكثر مما يستحقها، والتي انتزعها في ظل الاحتلال ودستور بريمر، من الموازنة العراقية.

هذان العاملان، الاستقواء السابق والهروب اللاحق، اللذين نعيد إليهما هذه الخطوة بما لها من تداعيات سوف تعيشها المنطقة برمتها ولمدى غير معلوم، ليسا بعيدين عن عامل آخر وهو المراهنة على الرعاية الكتيمة قولاً والدائبة المحرِّضة عملاً من قبل الغرب، ونستثني ثكنته المتقدمة في قلب المنطقة الكيان الصهيوني، حيث تعمها الأفراح بما تراه ميلاداً ل”إسرائيل” ثانية على شاكلتها في المنطقة، لطالما كان قدومها هدفاً من صلب استراتيجيتها الساعية لتفتيت المنطقة وتسيُّدها قطباً تدور شظاياها من حوله. إنه الأمر الذي سعت إلي تعميمه، وهو ما انتظرته في الحالة الكردية ودعمته وحرَّضت عليه، كما هو المعروف، ومنذ خمسينات القرن المنصرم في سياق علاقة وضع أساسها الملا مصطفى البرزاني والد برزاني الاستفتاء الراهن، وانتهت إلى ما يقوله جنرال البشمركة سيروان برزاني لوكالة نوفوستي من ” أننا لن ننسى أولئك الذين قدموا لنا دعماً جدِّياً، ومن بينهم إسرائيل”.

هنا نحن لا ننخدع بالمواقف الديبلوماسية الغربية المعلنة بمعارضة الاستفتاء، فلا نلقي بالاً، مثلاً، بالتعبير الرسمي الأميركي عن “الخيبة العميقة” بسبب من الإصرار الكردي على إقامته، ولا النفاق المخادع الذي تتسم بها معارضته الأوروبية. يستطيع الأميركان إعادة البرزاني إلى رشده بمجرَّد إشارة اصبع لو أرادوا. إذ علام يستند في عناده وتجاهله لمناشداتهم، وهو يعلم أن القواعد والمستشارين والخبراء ومحطات الاستخبارات الغربية التي يعج بها إقليمه لو أخذت في حزم حقائبها فلسوف يتبخر حلمه الانفصالي تلقائياً، وهنا بالضبط، أي اعتماده على هذا العامل، السر في تماديه في استعداء كل من هم حوله في الإقليم بكامله ومضيه قدماً في خطوته المضرة بالأكراد أكثر من غيرهم.

برزاني لا يجهل أن دويلته المرتجاة قد حشرتها الجغرافيا في مفترق يقع على تخوم ثلاث أمم وقوميات كبرى ليس من السهل عليهن التسليم بقيام “إسرائيل” أخرى بينهن ويعتبرن ذلك إن حدث نذير ب”إسرائيلات” لاحقة سوف تتوالد تباعاً في احشائهن.

وإذ لا من مقومات دولة لبرزانيستان هذه، وإنما دويلة فاشلة، كما هو حال المثال الجنوب سوداني، فلسوف تؤجر نفسها للأجنبي، بل هي تفعل هذا حتى قبل إعلانها. كما وإذ هي رأس الحربة لتقسيم العراق، وبدايةً لتفتيت تركيا، فهي منصة تآمر وتجسس على إيران لإلحاقها بهما. وعليه، تأتي ردود أفعال الدول الثلاث والتقائها على وجوب وئد الوليد السفاح لغزو العراق، والذي من الآن ترفرف فيه رايات الكيان الصهيوني وطفق يتصرف كوكيل للغرب في المنطقة، ويتوسع تحت رعايته في العراق وسورية وعلى الطريق الصهيونية…انتهت مرحلة داعش فليكمل الكرد دورهم في مخططات “الفوضى الخلاَّقة”… ظهور سيئ الصيت برنار هنري هاليفي في مراكز الاقتراع في أربيل له دلالات تذكِّرنا بدوره في ليبيا.

الأكراد جزء اصيل في هذه المنطقة، ولطالما نظرت إليهم أمتنا بالذات على أنهم منا ولنا ولهم ما لنا وعليهم ما علينا. كم من رئيس جمهورية في سورية كان من أصل كردي. رئيسا عراق ما بعد الغزو هما كرديين. وصلاح الدين الأيوبي واحد من ابطال تاريخنا القومي. إنهم لا يستحقون أن يأخذهم البرزاني إلى حيث عداء بيئتهم والاصطفاف مع أعدائها، وحيث يقول نتنياهو: الأكراد حلفاء لنا، ويفتح الإعلام الصهيوني دفاتر العلاقة العتيقة مع الحركة الكردية ويبدأ في سرد خباياها جذلاً…اليعازر تسفرير رجل الموساد في شمال العراق ما بين 1965 و1975 في مقابلة مع صحيفة “معاريف” يطلق على رئيس إقليم كردستان العراق أسم “مسعود بن غوريون البرزاني”، ويعتبر استفتائه الانفصالي عن العراق “قرار بن غوريوني” !

لن يكون حال شمال العراق إن تمكَّن البرزاني من إقامة “برزانيستانه” بأفضل حال من جنوب السودان بعد الانفصال.

…خاسر هو الرهان الكردي خسارة كل من راهنوا على الأميركان وتجاهلوا حقائق البيئة والتاريخ والجغرافيا…ورب ضارة نافعة، بنفسه يتيح البرزاني فرصةً مثاليةً لاندفاع العراقيين جيشاً وحشوداً شعبية وعشائرية لاستعادة من صنَّفها دستور بريمر أراض متنازع عليها واحتلتها البيشمرغة وتوسَّعت فأضافت لها ما احتلته بذريعة محاربة داعش…واستعادة وحدة كامل التراب العراقي.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر