الراصد القديم

2017/11/01

العراق في عصر التصحر العلمي!


زياد العاني

كنت خلال الايام الخمسة الماضية في مؤتمر علمي و تربوي دوري تنظمه الجمعية الدولية للبحوث في التربية و العلوم ISRES (مقرها في جامعة أيوا) انعقد في مدينة أنطاليا و التقيت بعدد من الباحثين و العلماء العرب و الأجانب سواءا خلال تقديم البحوث او عروض البوسترات او خارجها في جلسات نقاشية يتبادل فيها المشاركون افكارهم وتجاربهم الأكاديمية التي غالبا ما ينتج عنها أفكار بحوث جديدة او تبادل تجارب أكاديمية حديثة سواءا في مجال البحوث او في طرائق التدريس او تطوير المناهج ينقلها المشارك و يطبقها في مؤسسته الأكاديمية. و قد ينتج عن هذه اللقاءات ايضا تعاون بحثي مشترك فيه فوائد متبادلة

بحكم عملي الأكاديمي وتفرغي مؤخرا للبحث العلمي فأنني أشارك كل عام بما لايقل عن ثلاثة مؤتمرات علمية و تربوية وهذه المشاركات هي جزء من شروط المنح البحثية. وفِي كل مرة ابحث في تلك المؤتمرات عن أكاديميين او باحثين عراقيين قادمين من جامعات عراقية والى حد عام ٢٠١٣ كنت التقي بعدد منهم ،وعلى قلتهم، كنت اشعربالفرح كلما التقي بأحدهم و اقول لازال حال التعليم لم يصل الى الحضيض طالما يوجد من يبحث و يحضر مؤتمرات علميةو يحاول التغلب على مايواجهه التعليم من تدهور رغم الانحدار المزري في كل شيء. غير انني و منذ ذلك العام لم استطع العثور على مشارك واحد بينما ترى باحثين و مشاركين من جميع أنحاء الكرة الارضيّة من أوربا و أمريكا و فيتنام وماليزيا و تايوان و نيجيريا و الفلبين و من اندونسيا و مصر والجزائر و لبنان وسوريا ( التي لا تختلف ظروفها عن ظروف العراق ان لم يكن أسوأ) وحتى من جزر القمر و موريشيوس، واعداد كبيرة من ايران وتركيا و دول الخليج و الاْردن وقد لا يصدق البعض ان مدرسين ومعلمين من مدارس في بعض الدول يشاركون و بكثافة في هذه المؤتمرات كما تجد نسبة كبيرة من طلبة الدراسات العليا مع أساتذتهم، الا علماء العراق و أساتذته و طلبته ومدرسيه في عهد وزراء تعليمه(او بالأحرى تجهيله) الحاليين.

غياب تام يوحي بان عصر التصحر العلمي و التربوي قد زحف ، و النهضة العلمية التي ازدهرت فيه في الامس القريب تحولت الى صحراء جافة يجاهد فيها العلماء و الأكاديميون من اجل لقمةالعيش و الكرامة ومحاربة جهل و دَجَل صانعو سياسته التعليمية وغيرها حيث أصبحت البحوث و المشاركة في المؤتمرات ترفا و بدلا من ان تصبح الجامعات منارات للعلم و الثقافة و البحوث و منصات للمهرجانات العلمية و الثقافية والفنية و معارض الكتب ، أصبحت مراكزا للتجهيل و التطبير و نشر ثقافة الكراهية وتأجيج الفتن الطائفية و مطابخ للهريسة و القيمة في عاشوراء وبازارات ترتفع فيهاصور و مقولات لمعممين يسمونهم علماء، ورايات ليس لها علاقة لا بالعلم ولا بالثقافة ولا بالتعليم و محاضرات دينية لهؤلاء المعممين في كليات علمية، و تحول الفن الراقي الى مسرحيات طائفية من قبيل أخراج مسرحية تبين كيف قام عمر بن الخطاب بكسر ضلع فاطمة بنت الرسول (ص) أو تمثيلية محاكمة هزلية لهشام بن عبد الملك و ما الى ذلك من المهازل.

فلا غرابة ان تخرج الجامعات العراقية بأجمعها خارج التصنيف الدولي للجامعات الذي نشر مؤخرا فلم تلبي شروط اي مؤشر من متطلبات التصنيف لا بالتدريس ولا بالإدارة و لا بالبحوث ولا بالنشر و لا بالبيئة التعليمية و لا بإدارة المعرفة، صفر على اليمين و صفر على الشمال في حين دخلت الى التصنيف جامعات عربية من الخليج أسهم العلماء و الاكاديميون العراقيون في تأسيسها و تطويرها مثل جامعة الملك عبد العزيز وجامعة خليفة و الامارات و الشارقة(التي يرأسها عراقي) و جامعة قطر و جامعة السلطان قابوس وجامعات أردنية و جامعات ايرانية وتركية جميعها حديثة التأسيس نسبيا و حصلت على تصنيفات متقدمة نسبيا.

أنه زمن التصحر العلمي زمن أهل العمائم و الدجالين أدوات تعليم علم الجهل الحديثAgnotology “وهو العلم الذي يدرّس صناعة و نشر الجهل بطرق علمية” من أجل خلق صور مزيفة للحقائق لخدمة مصالح سياسيين و تجار سياسة فاسدين.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر