الراصد القديم

2017/11/01

المجلس العدلي يتبنّى المرحلة الإسرائيليّة؟

اسعد ابو خليل

لهُ، أينَما كانَ لن تقوم قائمة لهذا الوطن ــ المسخ. أراده المُستعمِر قاعدة متقدّمة لمؤامراته وظهيراً وسنداً عنصريّاً لدولة الاحتلال الإسرائيلي. تتصنّعون الوطنيّة وتتزيّنون بالفولكلور وترقصون الدبكة على وقع الحمّص والتبّولة، وتزهون بمعجزات طبيّة لمشعوذين لبنانيّين، لكن لن يصبح المسخُ وطناً. اقتنوا أعلاماً مزركشة، واصنعوا تماثيل لفاسدين ومرتشين ومرتهنين من تاريخكم، واقلبوا وقائع التاريخ رأساً على عقب، كلّ ذلك لن يجعل من كيانكم وطناً.

هناك نظرتان إلى قرار المجلس العدلي بحقّ المقاوم حبيب الشرتوني: النظرة الأولى ترى في القرار أمراً منفصلاً عن المسار السياسي العام وأنه إجراء قضائي ــ إداري محض. هذه النظرة تصلح لو أن لبنان هو السويد، لكنّه لبنان ونعرفه جيّداً. أي أن النظرة الثانية (المُقابلة) هي وحدها الصالحة لتحليل القرار: ليس هناك مِن مؤسّسات أو إدارات دولة أو محاكم تعمل بمعزل عن القوى السياسيّة النافذة وعن توجّهاتها. هي تأمر بفتح ملفّات وهي تأمر بإغلاقها: وليس هناك مَن خَبِر ذلك أكثر من ميشال عون نفسه إذ أن السلطة السياسيّة في مرحلة سابقة في سنوات منفاه كانت تقرّر استنسابيّاً إذا كان هناك ضرورة لفتح ملفّه أو طويه نهائيّاً. وإذا سلّمنا أن القرار هو مرتبط بالقوى السياسيّة فهذا يعني أن عهد ميشال عون يتحمّل المسؤوليّة كاملةً عن هذا القرار. والقرار أتى بعد أسابيع فقط من قرار محكمة عسكريّة لبنانيّة بإخلاء سبيل، لا بل تبرئة مخرج (عالمي ــ كوْني، إيّاكم أن تنسوا) اعترف بلسانِه أنه خرق القانون اللبناني— أو أكثر من قانون لبناني — بالإقامة في فلسطين المحتلّة والتعاون مع سلطة الاحتلال في تصوير فيلم يخضع لموافقة سلطات العدوّ الأمنيّة والعسكريّة. لو أن الرجل أنكر التهمة، لقلنا نستطيع أن نتغابى وأن نزعم أنه لم يذهبْ. لكنه أقرّ وفاخرَ. ثم جاء قرار المحكمة العدليّة. والقرار لم ينبع من طائفة: بل إن القضاة ينتمون لطوائف مختلفة (وهم يتبعون في بلد مثل لبنان لزعماء طوائف زكّوهم في مناصبهم).

وقرار المحكمة لا يرتقي إلى مرتبة نصوص قانونيّة محترمة للمحاكم، وتشوبه لغة الدعاية السياسيّة الفجّة التي عادةً تخلو منها قرارات المحاكم. هذا القرار له من الرصانة القانونيّة أقلّ ممّا كان لمحكمة المهداوي في العراق. لا بل إنه بالإضافة إلى تبنّيه بالكامل للرواية الكتائبيّة ــ الاسرائيليّة عن الحرب، فإنه يستشهد بمَن كان ضالعاً بالحرب على أنه فقيه قانوني. هي أوردت مرافعة لنعّوم فرح الذي كان مستشاراً لبشير الجميّل، والذي في مقابلة مع صحيفة أميركيّة أجاب بـ«لا تعليق» على سؤال إذا كانت إسرائيل حليفة له 1، والذي استنكرَ في مقابلة أخرى مع صحيفة أميركيّة أخرى (بعد إلغاء اتفاق «١٧ أيّار») زوال ثِمار وإنجازات الاجتياح الإسرائيلي 2، والذي عارضَ علناً إقفال مكتب الموساد الإسرائيلي في ضبيه 3. ماذا أوردَ نص قرار المحكمة عن فرح هذا؟ أورد أنه قال عن بشير إنه مثّلَ «الوقوف بوجه العدوّ الإسرائيلي» وأن منطلقاته (هذا الرجل الذي سخر من العرب والعروبة) كانت «عربيّة صرفة». أما كان أجدر بالمحكمة أن تستعين بشهادات مَن بقي حيّاً من جيش العميل انطوان لحد كي يزكّي على وطنيّة بشير الجميّل أيضاً؟

لكن المحكمة بنت على تحقيقات «عدليّة» سبقتها، وقد أجراها في عهد أمين الجميّل القاضي سعيد ميرزا. أي أن ميرزا جلس أمام حبيب الشرتوني المثخن بجراج التعذيب والتنكيل الذي لم يتوقّف كي يأخذ شهادته. والشهادة التي تُأخذ تحت التعذيب تكون باطلة، والمحامي الذي يقبل بشهادة تُنتزع تحت التعذيب يجب أن يخلع ثوب المحاماة عن جسده. بَنَت هذه المحكمة قرارَها الباطل على قرار باطل سبقها بعقود. لا، وهي اعتمدت أيضاً على تحقيقات قام بها أسعد جرمانوس، الذي بدأ تحقيقات في مجزرة صبرا وشاتيلا في عام 1982 ولم ينتهِ منها عندما مات في عام 2007. ولم تكترث المحكمة لأفراد من عائلة الشرتوني قتلهم قوّاتيْون بعد تعذيبهم انتقاماً لبشير الجميّل. لم يردوا في تعداد «الضحايا» في قرار المحكمة. وتكرّر المحكمة أكذوبة «انتخاب» بشير فيما المراجع الغربيّة والاسرائيليّة توضّح أن واحدة من أهداف الاجتياح كانت تنصيب مجرم الحرب الكتائبي في موقع الرئاسة، وقد رصدت حكومة العدوّ مبلغ 30 مليون دولار من أجل دعم ترشيحه، بالإضافة إلى ما ناله من مال الحكومة الأميركيّة ومال ميشال المرّ. وكان للقوّات خطة من أجل جلب نوّاب بالقوّة في حال عدم توفّر النصاب. وتشيد المحكمة في نصّ قرارها بالاجتياح الإسرائيلي الوحشي وتقول عنه «بعدما كانت قد بدأت تحوم في الأفق بوادر حلحلة للأزمة السياسيّة والأمنيّة التي كانت تعصف بالبلاد منذ عام 1975». أي أن المحكمة تقول بصريح العبارة أن الشرتوني والعلم مدانان لأنهما فوّتا على لبنان الاستفادة من الاجتياح الإسرائيلي. إذا كانت هذه جريمتها، فليفخر بهما الوطن ويكرّمهما فوراً.

ومن مضامين الخطاب الانعزالي بعد الحرب تسويغ جرائم اليمين تحت عنوان أن «الكلّ» أجرمَ في الحرب. لكن بشير الجميّل لم يكن مجرم حرب عاديّاً حتى في سياق الحرب الأهليّة. بشير الجميّل امتاز عن أقرانه مِن مجرمي الحرب لأسباب عدّة:

١) هو كان ينتمي إلى الفريق الذي أشعل الحرب الأهليّة: لم تبدأ كل الأطراف المتصارعة الحربَ في وقت واحد. بدأها فريق (اليمين) ولم يكن أمام الفريق الآخر (الحركة الوطنيّة والمقاومة) إلا الدفاع عن النفس.

٢) ارتبط حزب «الكتائب» بعلاقة تحالف ذيلي مع إسرائيل منذ الخمسينيات. كل الذرائع عن الدفاع عن النفس باتت باطلة وعن أن مخطّط التوطين تطلّب معونة إسرائيل. حتى الوثائق الأميركيّة باتت صريحة في أن العلاقة بينه وبين العدوّ سبقت الحرب بسنوات.

٣) دشّن بشير الجميّل صعوده الميليشاوي بمجزرة طائفيّة جماعيّة، ضد المسلمين في ما عُرف بـ«السبت الأسود»، عندما قتل مئاتٍ من اللبنانيّين على الهويّة، حتى لا ننسى أن حروب اليمين لم تكن ضد الفلسطينيّين وحدهم بل ضد المسلمين وضد كل من رفض مشروع الهيمنة الطائفيّة لـ«الكتائب».

٤) قاد بشير الجميّل حروب تهجير طائفي وإثني جماعي من المنطقة الشرقيّة من بيروت (هُجِّر كل المسلمين من حيّ بيضون في الأشرفيّة، ودمّرت مكتبة عبدالله العلايلي فيه). وهذه الحروب لم تستهدف فقط الفلسطينيّين بل استهدفت مسلمين ومسيحيّين معارضين وأرمن.

٥) جرّ تحالف «الكتائب» كل التدخّلات العسكريّة الأجنبيّة في لبنان، بدءاً بالتدخّل السوري في عام ١٩٧٦ إلى الاجتياحات الاسرائيليّة المتكرّرة إلى نشر قوّات احتلال أميركيّة وفرنسيّة وإيطاليّة في عام ١٩٨٢.

٦) لم تكن وحشيّة «القوّات اللبنانيّة» مثيلة لوحشيّة باقي الميلشيات في لبنان. يعترف أسعد الشفتري أن ميلشيات اليمين كانت تعتمد على طقوس انضمام من القتل والتعذيب والتنكيل. لم تكن هناك طقوس مماثلة في أي من تنظيمات الحركة الوطنيّة أو المقاومة الفلسطينيّة.

٧) كان الجميّل عنصريّاً مقيتاً يصارح جمهوره بحقيقة مشاعره نحو العرب، وقد سخر في آخر خطاب له بثقافة «الجِمال والبدو والمتخلّفين 4».

٨) لم يحدْ الجميّل عن إيمانه بلبنان كبلد طائفي للمسيحيّين. وقد منعت «القوّات» نشر آخر خطاب له ألقاه قبل اغتياله بساعات في دير الصليب، لأنه كان صريحاً في بثّ مكنوناته الطائفيّة البغيضة إذ قال: «لبنان وطن للمسيحيّين» لكنه استطرد «ولغيرهم لو أراد» 5 — على طريقة تعبير وعد بلفور عن «الجماعات غير اليهوديّة في فلسطين».

٩) وهناك صفة فريدة اكتسبها الجميّل وهي فتح بيت دعارة إذ استدعى قريبه ومستشاره جورج فريحه ذات يوم وقال له: «قرّرتُ أن أفتح كرخانة» 6. ويجب إضافة هذه إلى سلسلة جرائمه القبيحة.

١٠) كان مجرم الحرب هذا رائداً في كل جرائم الحرب: أوّل من ارتكب سرقات بالجملة من المرفأ والأسواق التجاريّة وأوّل من دشّن عهد القصف العشوائي.

١١) صاحب شعار 10452 كلم مربع ناشد أميركا سرّاً بالقول: «خذوا شواطئنا، خذوا صنّين قواعدَ لكم» 7. والمفارقة أن الكتب الأجنبيّة بأقلام مراسلين غربيّين ومراسلات في حينه (مثل هيلينا كوبان وتابثا باتران وجوناثان راندل وغيرهم) وثّقت لجرائم بشير الجميّل ودوره في الصراع الدموي في لبنان فيما لا تزال الأكاذيب عنه منتشرة في لبنان.

وقرار المحكمة تُوِّج بزيارة جبران باسيل لاحتفال حزبي في ساحة ساسين في الأشرفيّة من أجل الترويج لبشير الجميّل والاحتفال بقرار المحكمة. لو كان هناك شكّ بالرعاية السياسيّة لهذا القرار، فإنه قد زال بهذه الزيارة (علماً أن القواتيين الحاضرين لم يرحبوا به). لكن هناك ما هو أبعد. قد يصعب قول ذلك بعد تفاهم مار مخايل لكن ميشال عون كان ينتمي إلى صلب مشروع بشير الجميّل. بدأ عون تعاونه مع بشير الجميّل مبكِّراً وهو أدار عمليّة القصف المدفعي على مخيّم تل الزعتر، والتي عزّزت موقعه في صفّ اليمين. كان عون من الفريق الاستشاري لبشير الجميّل والذي ضمّ أقرب معاونيه. وقبلَ تبنّي سركيس لترشيح الجميّل لرئاسة الجمهوريّة، كان الجميّل يخطّط لانقلاب عسكري يقوده عون ضد سركيس. وفي آخر اجتماع بين الجميّل وشارون يشير الأوّل إلى تنسيق عمليّات جيش العدوّ مع عون.

طبعاً، إن عون غيّر خياراته بعد تفاهمه مع حزب الله. وصمدَ عون بوجه إغراءات وضغوطات جمّة في حرب تمّوز عام 2006 وبعدها، وصمد في خيار مقاومةٍ يُعدّ اليوم أصعب خيار في العالم العربي. كما أن خطاب عون عن إسرائيل تغيّر كثيراً، وكلمته أمام الديبلوماسيّين في مطلع هذه السنة كانت خطوة متقدّمة في الخطاب اللبناني الرسمي (المرتبك دوماً) ضد الصهيونيّة وإسرائيل (لكن لم يحتلّ موقع قيادة الجيش أو الرئاسة رجل مُعادٍ لإسرائيل والصهيونيّة كما كان إميل لحّود). يجهد جبران باسيل كي يصبح زعيماً مسيحيّاً، وكي يرث عون وهو حيّ. وجبران (مثله مثل نديم الجميّل وسامي الجميّل) يجترّ خطاب بشير الجميّل، والأخيران يقلّدان نبرته في الخطاب. وباسيل يتحدّث عن المجتمع المسيحي وهو يعتبر نفسه وزير خارجيّة لبنان المسيحي — بتعريف باسيل. وحديث باسيل عن هويّة لبنان في المؤتمرات الاغترابيّة يشذّ عن اتفاق الطائف ويربط بين الهويّة الفينيقيّة وبين الهويّة المشرقيّة.

لكن ليس العهد الجديد وحده المسؤول عن هذا القرار. إن فريق الممانعة والمقاومة مسؤول عن ذلك أيضاً. إن التراخي في موضوع التعامل مع تركة الاحتلال الإسرائيلي بدأت في صيف عام 2000، بعدما انسحب، أو طُرد، جيش العدوّ بذلّ من لبنان تحت وقع ضربات المقاومة. وفي واحدة من تجارب المقاومة العالميّة غير المسبوقة، اختار حزب الله ألا يلاحق أو يطارد أو يُعاقب عملاء وإرهابيّي العدوّ الإسرائيلي على أرض لبنان. وخلافاً لكل تجارب المقاومة، لم يستولِ الحزب على السلطة ــ وهذا حسن لأن عقيدة الحزب لا تتوافق مع خيارات الكثير من اللبنانيّين ــ لكنه لم يفرضَ برنامجاً لاجتثاث الخلايا الصهيونيّة وراءه. لا بل إن الحزب اعتبر أن غفرانه هو حسنة له، فيما أثّر هذا على المقاومة نفسها تبعاً لازدياد عدد الخلايا الإسرائيليّة الإرهابيّة والتجسّسيّة عبر السنوات. ولا شكّ أن طائفيّة البطريركيّة المارونيّة في احتضان ظاهرة العملاء (مع أنهم ينتمون إلى كل الطوائف) والبنية الطائفيّة لحزب الله خفّفا من إمكانيّة الفعل: لم يكن باستطاعة الحزب أن يمضي في معاقبة العملاء من دون استثارة عصبيّات طائفيّة غير دفينة. لكن كان على الحزب أن يوكل أمر المعاقبة الشديدة والقاسية إلى الدولة نفسها وذلك من أجل ردع مَن تسوّل نفسه خدمة الاحتلال. هذا التراخي سهّل من عقيدة اليمين والوسط وبعض اليسار في تخفيف العداء لإسرائيل في الثقافة السياسيّة اللبنانيّة.

وقد نجح مطبّعو لبنان (وحتى مطبّعو فلسطين 8) في تمرير التطبيع والمجاهرة بالصهيونيّة تحت عنوان «حريّة العبير»، وهذه ميزة فريدة لحريّة التعبير لا تجدها في أي دولة من الدول الديموقراطيّة في العالم (خصوصاً تلك الدول - مثل أميركا- التي يتمثّل بها مُطبّعو بلادنا، حيث تُفرض عقوبات بالسجن على مُشغّل الـ«كيبل» الذي يحمل محطة «المنار»، وعلى مَن يتبرّع لمستشفى تديره «حماس»، وفي الماضي على الذي يشارك في حفلة دبكة أقامتها الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين في الثمانينيات). حريّة التعبير لم تعنِ إلا في بلادنا حريّة التساهل والتعامل والتحالف مع العدوّ.

وقد أسهمَ رفيق الحريري والنظام السوري وحلفاؤه في لبنان، في تمييع العداء لإسرائيل عندما تمّ فرض إيلي حبيقة (الإسرائيليّ الصنع والتركيب والإعداد) على الحياة السياسيّة اللبنانيّة من دون سؤال أو شرح. كان حبيقة وثيق الصلة بالجميّل (وقال بشير الجميّل عندما تعرّض حبيقة للخطف من قبل مخابرات الجيش في عام 1978 إن «حبيقة هو أنا»)، والنظام السوري لغاياته أعاد الاعتبار له وفرضه على قوائم وعلى حكومات، ولم يعترض حزب الله على ذلك. إن أعادة تأهيل إيلي حبيقة في حياته سهّلت إعادة تأهيل بشير الجميّل في قبره.

وردود الفعل أذنت بخلفيّات إقليميّة للجهد في تغيير الثقافة السياسيّة في لبنان. عندما يدلي عبدالرحمن الراشد بدلوه في قضيّة لبنانيّة محليّة فإنك تعلم أنه أعطى كلمة السرّ ــ كالعادة ــ كي ينقاد وراءه فريق جرّار من الكتّاب اللبنانيّين والعرب الذين ينتظرون علامات الساعة السياسيّة من الناطق باسم الفريق السعودي الحاكم. لكن كما أن النطق لفتَ فإن الصمت لفتَ أيضاً. الوسط الإعلامي اللبناني كان إما مناصراً بقوّة أو صامتاً. الذين يعدّون أنفسهم في صف الفريق التقدّمي صمتوا ــ في أكثريّتهم ــ هم أيضاً، لا بل طلع بعضهم بتخريجات متنوّعة عن سبب قبول القرار، منها أن الجميّل قد انتُخب (راجع أعلاه). وهناك الذين دأبوا على مرّ السنوات الماضية ــ في الإعلام اللبناني وفي داخل وخارج 14 آذار ــ على الترويج للحركة الوطنيّة والمبالغة في رصيدها ومقاومتها لأسباب خبيثة واضحة أي فقط من أجل المزايدة على حزب الله ومعارضة مقاومته. هؤلاء صمتوا هم أيضاً مع أن قتل بشير الجميّل كان همّاً مشتركا لأحزاب وفصائل في الحركة الوطنيّة. كان هناك تسابق بين عناصر الحركة الوطنيّة (كما اعترف جورج حاوي في برنامج تلفزيوني) من أجل الوصول إلى بشير الجميّل لقتله قبل الاجتياح الإسرائيلي وبعده. ولم يكن الأمر بذلك «إقليميّاً»: كانت الأسباب محليّة ووطنيّة. صمتَ كل الذين كانوا يروّجون لمقاومة الحركة الوطنيّة ــ فقط بعد اغتيال الحريري ــ وذلك ليس من أجل إنعاش برنامجها بل من أجل الترويج لبرنامج مضاد تماماً لها.

ولم يعلّقْ هؤلاء على همروجة الاحتفال ببشير الجميّل. وبعضهم (مثل إلياس خوري في «القدس العربي») ساوى بين فعلة مقاومة حبيب الشرتوني ونبيل العلم وبين جرائم حرب بشير الجميّل. ويطلع المسالمون الجدد بنظريّة نبذ الاغتيال السياسي كأنه كانت هناك حركة مقاومة لم تعتمد في مسيرتها على الاغتيال السياسي، وكأن نفس هؤلاء استنكروا في السنوات الماضية اغتيال قادة للمقاومة من قبل العدوّ الإسرائيلي. ثم هل يرفض هؤلاء، مثلاً، بالمبدأ اغتيال بشّار الأسد؟

إن مشهد اصطفاف نديم الجميّل وسامي الجميّل وجبران باسيل وصحبهم تحت أنغام أغاني «القوّات» كان يمكن أن يثير الفزع أو القلق في مرحلة غابرة. في مرحلة غابرة، كان فريق مواجهة الصهاينة في لبنان يقوده أمثال وليد جنبلاط وتوفيق سلطان وجورج حاوي وإنعام رعد ومحسن ابراهيم وميلشياتهم. أما الفريق المُواجه للصهاينة في لبنان اليوم، فيكفي أن تذكر اسم واحد منهم فقط كي تُدرك حجم المهزلة التي لحقت بدورة التاريخ هذه المرّة.

إن قدرة النظام العوني على إحياء ذكرى بشير الجميّل وتزييف دوره قبل الانتخابات النيابيّة لم يكن لينجح لو لم تسد السرديّة الانعزاليّة عن الحرب الأهليّة. وهذه السرديّة لم تسدْ إلا لأن 14 آذار اعتنقت هذه السرديّة بعد 2005، ولأن قادة الحركة الوطنيّة تنصّلوا من إرثها ونبذوه وعبروا إلى ضفّة الوهّابيّة. لم يبقَ واحد من هؤلاء القادة إلا وذمّ الحركة وبرامجها وتنصّل من مقاومة العدوّ، أو هو استعملها شعاراً فقط بغاية إحراج ومحاربة حزب الله. ومن أجل تزوير تاريخ الجميّل يبتدع البعض قصّة خياليّة عن صراع بين الجميّل وإسرائيل مع أن نص لقاءاته مع الإسرائيليّين منشور في كتاب جورج فريحة (وكان مرافقاً لبشير في تلك اللقاءات). يستطيع الذين لم يقرأوا ما كُتب عن تلك الحقبة في المراجع الأجنبيّة المتحلّلة من سطوة الانعزاليّين أن يتخيّلوا تاريخاً آخر لبشير. وأسطورة بشير التي لا علاقة لها بالوقائع وبتاريخ الرجل الدموي باتت ذات سحر طائفي – ديني - أسطوري. والذي يصدّقها هو الذي يصدّق أن مقام القدّيس شربل يشفي (بعض) مرضى السرطان (كما عنونَ موقع «التيّار» قبل أيّام) أو أن «سيّدة حريصا» استدارت ذات يوم لتحيّي كميل شمعون على مواقفه (الطائفيّة).

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر