الراصد القديم

2017/12/01

جمال عبد الناصر .. حلم أمة


سامى شرف

تمر الأيام والسنين، تسرق عمر البشر، تتغير الملامح وتتبدل الأحوال، تتواتر الأحداث، وتتزاحم تداعياتها، وتتشابك كخيوط عنكبوت، تترك آثارها نقوشا في وجداننا قبل أبداننا، يعبر شريط الذكريات وكأنه ومضة برق في عمر الزمان، نستعرض فيها ما مضى وما كان، تستوقفنا لحظات عصية على النسيان.

وفور أن بدأ الحديث عن الاحتفال بمئوية الرئيس جمال عبد الناصر، تداعى أمامي ذلك اليوم العصيب، حيث الثامن والعشرين من سبتمبر 1970 حين رحل الرئيس جمال عبد الناصر عن دنيانا، كانت الصدمة فوق كل احتمال، اعتصرت قلب مصر، هزت كيانها، زلزلت أرجاء الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، وتخطت ذلك النطاق الجغرافي لتمتد إلى أحرار العالم.

لا أعرف لماذا لاحت تلك اللحظة القاسية – تحديدا - في خاطري في تلك المناسبة، لعله جلل هذا اليوم، وتداعياته الكبيرة على مصر والمنطقة وربما العالم، وربما الحنين لمعلم وقائد تعلمت منه مبادئ الوطنية، والإخلاص في العمل من أجل هذا الشعب، إلا أن كلمة مئوية في حد ذاتها استنفرت شيئا داخلي، وعلى الفور وجدت نفسي أردد الأسئلة التالية: هل مرت مائة عام على قدوم ناصر لدنيانا تلك؟، ماذا لو كان هذا الزعيم الكبير لازال بيننا الآن؟ كيف كان سيكون حال مصر والمنطقة؟ بالقطع .. أمور كثيرة جدا كانت ستتغير، و يقيني أننا كنا سنصير في وضع أفضل بكثير مما نحن والعرب فيه.

بمقاييس الزمن عاش جمال عبد الناصر حسين حياة قصيرة (15 يناير 1918 – 28 سبتمبر 1970)؛ فقد رحل عن 52 عاما و8 أشهر و 13 يوما، ظهر فيها على مسرح التاريخ لمدة 18 عام، مثلت فصلا استثنائيا في التاريخ العربي كله، تاركا للأجيال المتعاقبة؛ مجداً وارثاً فكرياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً يشبهنا ويشبه طموحنا .. ترك لنا مشروعاً عظيماً خرج من رحم الأمة المصرية، يقوم على مبادئ الكفاية والعدل، وقيم الحرية والمساواة لجميع الشعوب، وكل الأوطان.

وكانت مشيئة الله – عز وجل – أن يرحل عبد الناصر قبل أن يحصد ثمار عمله، ويرى تحرير الأرض، رحل الرجل ولم يكتمل مشروعه، ولم تكتمل رسالته، وبعد وفاته، تم بتر تجربته، والانقضاض عليها، بترويج شعارات وحجج عبثية لا طائل من ورائها سوى محاولة تشويه التجربة لوأدها في عقول وقلوب المصريين، حيث أطلقت حملات جاهلة ممولة تملئ الفضاء عويلا على غياب تطبيق الديمقراطية في عهد جمال عبد الناصر.

وبالمناسبة، يواجه النظام المصري الحالي ذات الحملات المشبوه في الداخل والخارج من قبل من لا يريد لهذا الوطن أن يملك قراره، وأن يظل منشغلا بقضايا وموضوعات تصرفه عن مسيرة البناء والتنمية، وإلا ما هو تفسيرنا لكافة الحملات المسعورة التي توجهها عدد ممن يطلقون على أنفسهم منظمات مجتمع مدني، ومنظمات حقوق إنسان، معظمها –أقول معظمها وليس كلها- ذات تمويل خارجي مشبوه، تهدف لتشويه صورة النظام المصري في الخارج وأمام شعبه في الخارج، ويركزون على حادثة يرتكبها أحد أفراد الشرطة أو أحد مسئولي الدولة هنا أو هناك، ويملئون الفضائيات والإعلام صراخا وعويلا، وكأن النظام المصري يتفرد دون نظم العالم بأنه ينصب المشانق، والمجازر لشعبه!!.

هذا، في الوقت الذي تتغافل هذه المنظمات عن انتهاكات لحقوق الإنسان أبشع وأفظع ترتكب في الدول التي تمولها، وغيرها من الدول التي ينتهك فيها جميع حقوق الإنسان، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ...إلخ من كافة صنوف الانتهاكات الواضحة والصريحة، ولكن ليس لدى هذه المنظمات التعليمات من مموليها بتوجيه سهامها المسمومة والمشبوهة تجاه تلك الدول.

ها هو عبد الناصر - يا من تنصبون أنفسكم سدنة حقوق الإنسان وحماتها - رحل عن دنيانا منذ ٤7 عاما، ووصل لسدة الحكم في وطننا العربي الكثيرون ممن كانوا ومازالوا يتبجحون بهذه العبارات الرنانة دون آي إنجاز يذكر، علما بأن هذه العبارات والمفاهيم باتت، في يومنا هذا مألوفة ومعروفة من القاصي والداني !.
-ماذا عن تطبيق الديمقراطية ؟ أين حرية وعدالة العصر ؟
-أين الاقتصاد الوطني؟
-ماذا كانت نتائج اتباع نهج اقتصاد السوق، وبيع القطاع العام؟
-ماذا عن موقع مصر على خريطة العلم والمعرفة الإقليمية والعالمية؟
-ماذا عن مكانة مصر في أمريكا اللاتينية وأفريقيا (سد النهضة)؟
-لماذا نتخلف مجتمعيا باستمرار وبشكل مخز ؟
-لماذا لم يتوحد العرب، معتبرين من أخطاء ومعطيات الماضي ؟
-لماذا قامت وتقوم صراعات دينية وطائفية وعرقية في وطننا العربي ؟
-ماذا عن الأوضاع في الأمة العربية؟
-لماذا قام (مجانياً) صلح وسلام وتفاوض مع العدو ؟
-لماذا لم يُعـد حكامنا العدة لتحرير فلسطين ؟
ما رأيكم فيمن تدعونهم النخبة الذين باتوا سلعا في سوق التهريج السياسي والمجتمعي والفضائي وموضع سخرية العالم المتحضر القوي؟
لماذا؟ وماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ وأين؟ ...إلخ، بكافة أدوات الاستفهام أوجه أسئلتي لهؤلاء ممن حاولوا عبثا أن يشوهوا حلم جمال عبد الناصر ومشروعه لنهضة هذه الأمة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر