الراصد القديم

2018/01/01

2018 فوضى إقليمية خلاقة...


زياد هواش

بدأت تظهر نتائج الاتفاق النووي الإيراني على المستوى الداخلي، الحرس الثوري في مواجهة الشعب، انتهى التحدي المبالغ فيه ولا مبرر لكل هذا الضغط والقمع، والأمة الفارسية واحدة من أقدم ثلاث أمم مستمرة في التاريخ بدأت تتفكك، والفوضى الإقليمية الخلاقة انطلقت بلا أي تأخير، وكرة النار تتدحرج.

لقد كانت سياسة الرئيس أوباما والتي تقوم على الرهانات الداخلية لإحداث التغيير في إيران والمنطقة، صحيحة وصائبة، وكانت موافقة أمريكا الحاسمة في المفاوضات النوية مع إيران خطوة في الاتجاه الصحيح، لقد كان ملفا يسمح للحرس الثوري بالهيمنة على الدولة والجيش بحجة الخطر الأمريكي والغربي.

من الواضح أن الصواريخ التي يطلقها الحليف الحوثي على السعودية لا تترك اثرا جيدا عند اغلبية الناس في إيران، كما هو الحال بالنسبة لخطابات حزب الله التصعيدية، حتى الحرب في سوريا بدأت تلقي بظلال ثقيلة على المشهد الداخلي الإيراني وكذلك هو الحال بالنسبة للعلاقة الصعبة مع الحليف الروسي البارد...

الأكيد ان هناك مطالب معيشية حقيقية في حركة الشارع الإيراني ولكن الأداء السياسي الإقليمي والدولي للحرس الثوري هو بالتحديد خلف حالة الغضب والغليان الشبابي الذي يشعر بحق بغياب الهم الوطني والهوية الوطنية خلف الهم المذهبي والهوية المذهبية التي تمنح رجال الدين سلطة مطلقة ديكتاتورية...

مع نهاية العام 2017 ينتهي بالفعل زمن إيران ويبدأ زمن إسرائيل، والأخطر أن صداما بين إيران وإسرائيل في جنوب سوريا ودمشق، يبدو حاجة ملحّة أكثر من أي وقت مضى الان، ولكن هل سيقف الشعب الإيراني خلف ثورته الضائعة والغارقة في ديكتاتوريها ومذهبيتها، في هكذا خيار كارثي وربما انتحاري...!

لا يملك النظام المذهبي في إيران أي حل بديل غير المزيد من الضغط الخارجي على الداخل، من خلال توتير المشهد مع الجوار العربي تحديدا، وهذا الخيار الذي دمر اليمن تماما سيأخذ سوريا الى مصير مشابه ثم لبنان في مرحلة لاحقة، وسيكون مدخلا واسعا لإسرائيل ليأخذها صوب الحدود مع العراق ومع النفط...

الفوضى الخلاقة العربية وحروبها المذهبية الدموية، والتي رأى فيها الحرس الثوري فرصته الذهبية ليوطد دعائم ديكتاتوريته في طهران، ستأخذ مسارا تصعيديا أكثر عنفا ودموية اليوم وغدا في محاولة لإنقاذ الحرس الثوري، بعد أن بدأت ترتد بشعاراتها الى الداخل الإيراني نفسه الشديد الشبه بجواره المتداعي...

قد لا يرى النظام في طهران في حركة الشارع ثورة مضادة، وقد لا يقبل توصيفه بنسخة مكررة من عهد الشاه، وقد لا يصدق ان الجماهير التي قامت بالثورة الإسلامية يقوم أحفادهم اليوم ولنفس الأسباب بالثورة على أجدادهم الذين حولوا يران الى ملكية مذهبية أبعد ما تكون عن هويتها كأمة وقومية...

إذا كان الشاه قد بالغ في تغييب التراث الإسلامي للأمة الإيرانية فان الثورة الإسلامية قد بالغت في تغييب الهوية القومية للأمة الفارسية، لقد انتهت ثورة الأطراف والفقراء بقيادة رجال الدين، وبدأت ثورة المركز والمدن الرئيسية بقياد الشباب، لقد كانت الثورة الخضراء مؤشرا خطيرا جرى تعطيل مفاعيله الى حين...

ما يحدث في إيران اليوم سيحدث غدا في تركيا، وكلما ابتعد أردوغان وتنظيم الاخوان الإقليمي في مشاريعه عن انقرة وإسطنبول مكررا مشاريع الحرس الثوري الإقليمي في ابتعاده عن طهران ومشهد، كلما اقترب الشباب المُغيب من نقطة اللا عودة وخيار الثورة القومية على الهوية الدينية_المذهبية الخلاقة...!


المبالغة في العداء ورفض أمريكا وأوروبا وإسرائيل يعطي نتائج مشابهة لحالة المبالغة في التحالف مع أمريكا والغرب وإسرائيل، التناقض في الشكل بين نظامين دينيين_مذهبيين في طهران وانقرة، يعكس تشابها بل تماثلا في جوهر نظامين ديكتاتوريين عنصريين يخدمان بعمق مشروع الفوضى الذي بدأ يلتهمهما...

لقد اجتمع النظامين في طهران وانقرة على احتقار العرب أنظمة وشعوبا، هذه الحقيقة الغائبة عن النظام الرسمي العربي الذي يحتقر الشعب العربي بدوره، لا يجب ان تغيب عن الشعوب او القبائل العربية في رهاناتها على أحد الطرفين لمواجهة توأمه، اذ ليس من المهم القطب السالب بينهما فتيار الفوضى يصعق الجميع...

في الوقت الذي بدا الشعبين في إيران وتركيا يدركان بعمق أن نظاميهما العنصريين يمارسان هذه العنصرية عليهم في المقام الأول قبل أن يفاخروا أمامهم بممارستها على العرب، لا تزال القبائل العربية تفاخر بعلاقاتها التاريخية_المذهبية الحضارية مع جوار لم يكن يوما يكن لهم الا الكراهية العميقة والمتأصلة...

وفي الوقت الذي بدأت فيه شعوب الإقليم تبحث عن هويتها الاقتصادية في المقام الأول، بالعودة الى الهوية القومية_الوطنية العاقلة، تتمسك القبائل العربية بلعناتها المذهبية وتاريخ تبعيتها للإقليم وحقيقة تبعيتها لأمريكا والغرب، ولا تزال تفاخر بغباء نادر باحتقار شعوب أمريكا والغرب بدورهم لسذاجتها وجبنها وخيانتها...

ان سقوط أي نظام في المنطقة العربية والاقليم، هو حالة إيجابية حتى لو جاء برغبة وإرادة وتخطيط "لانغلي" او أخواتها، ما دام هناك استحالة في ان تخرج العرب من قبيلتها وقبليتها صوب مواطنتها ووطنيتها، وإذا كان عليها يوما ان تفاخر بانتصاراتها فسيترافق ذلك دائما مع ذكرى الفوضى والدمار والموت والهلاك...

يبدو ان الدمار الكلي كنتيجة منطقية وحيدة للحروب الدينية_المذهبية هو الطريق الوحيد للخروج من لعنة الماضي الى نعمة المستقبل، وإذا كانت أوروبا احتاجت الى حربين عالميتين لتتغير، فمن الطبيعي ان تحتاج المنطقة والاقليم لعدة حروب ستستغرق الوقت اللازم والكافي لقطع كل رابط بالماضي الرهيب...

هناك قوانين حتمية لكل شيء، للتاريخ وللفوضى وللمستقبل وللعشوائية، وهي قوانين جماعية، لا تخضع لإرادة الأشخاص بل لوعي الجماعات ولحيويتها، القبيلة حالة فردية تخضع دائما لمحيطها وتتكيف دائما مع بيئتها الجديدة، هذا ليس قدر قبائل العرب في شرق الفوضى والشياطين بل خيار العرب في الهروب المستمر.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر