الراصد القديم

2018/01/01

أشباح أردوغان في الخرطوم


عبد الوهاب الأفندي

أسرت القوات المسلحة السودانية، في عام 1997، في إحدى جبهات شرق السودان، شاباً سودانياً كان يقاتل في صف حركات التمرّد التي كان يتزعمها جون قرنق. المفارقة أن الأسير كان نظرياً يقبع في سجن مصري، تنفيذاً لحكم بالسجن سبع سنوات صدر ضده قبل حوالى عامين، لاختطافه طائرة سودانية إلى الأقصر. ولدى استجوابه، قال إن المخابرات المصرية عرضت عليه إطلاق سراحه، إذا قبل تسفيره إلى إريتريا للانضمام لإحدى التشكيلات المسلحة التي تقاتل الحكومة بدعم إثيوبي- إريتري، فلم يستطع أن يرفض العرض.

وكانت المخابرات قد تحوّلت وقتها إلى "متعهد أنفار" لصالح التحالف الإريتري – الاثيوبي -اليوغندي (والمدعوم من كينيا ودول إفريقية أخرى)، حيث "فوضت" هذا التحالف إدارة شأن الحرب والسلام في السودان، و"أمرت" كل فصائل المعارضة المقيمة في مصر بالانضمام إلى الحركات المسلحة. وكانت تزوّد من يقبل من المعارضين بتذاكر السفر ودعم مالي، وتُمارس الضغوط والإكراهات على من يمتنع.

تذكّرت هذه الوقائع، وأنا أتابع ما بدا أنه يقظة مفاجئة هذا الأسبوع في القاهرة وعواصم "عربية" (إن صحّت النسبة) أخرى على خطر عظيم يهدد "الأمن العربي"، متمثلاً في زيارة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الخرطوم وانجامينا (عاصمة تشاد) وتونس. ذلك أن هذه العواصم نفسها كانت قد سلمت أمن السودان ووادي النيل لغيرها منذ عقود، طوعاً وبحماس شديد. وقد فعلت الشيء نفسه، وأسوأ منه، فيما يخص أعضاء آخرين في جامعة الدول العربية، مثل الصومال وجيبوتي، حيث سلمت الثانية لفرنسا، والآن لتحالف من فرنسا وأميركا، وتركت الصومال يتمزّق، حتى تدخل الجيران (والأباعد) الأفارقة الذين كان لهم ما يكفي من الهمّة والشجاعة لإرسال قواتٍ، تستعيد الأمن في ربوع ذلك البلد المنكوب بأشقائه. حدث الأمر نفسه في العراق الذي ساهم العرب في حصاره وتدميره، ثم سلموه لشراكة أميركية - إيرانية، مع منافسةٍ داعشية قاعدية. وقبل ذلك، سلم لبنان لمليشيات طائفية، وتلته سورية التي ضاع دمها بين قبائل عدة.

هل نسبتشر خيراً إذن بهذه اليقظة التي طال انتظارها؟ ربما لو لم تكن هذه العواصم التي تندب الأمن العربي هي عينها التي تُجاهر بالعشق والوله بنتنياهو، وتدعوه إلى المخادع نهاراً جهاراً، وليس في جنح الليل بغرض الستر. ربما لولا أن تركيا كانت البلد "العربي" الذي استضاف قمة القدس التي غاب عنها حتى وزراء تلك البلدان. ربما لولا أن تركيا هي البلد "العربي" الوحيد الذي زار رئيسه الصومال بصحبة أسرته، وهو الذي يدير موانئ ذلك البلد ومرافقه، ويدرب جيشه ويدعم اقتصاده. ربما لولا أن تركيا هي البلد "العربي" الأخير الذي ما زال يدافع عن حقوق شعب سورية ويؤوي لاجئيها ومعارضتها. ربما لو لم يكن السودان (على الرغم من اعتراضنا على موقفه) هو البلد غير الخليجي الوحيد الذي لديه جنود يدافعون عن السعودية، المتهمة سابقاً عنده بتسليح التمرد في الجنوب، في وقت رفضت مصر مجرد إرسال طائرات لدعم أولياء النعمة.

هناك إذن ما يدعو إلى القلق الشديد على الأمن القومي العربي، لأن مفهوم الأمن عند هذه العواصم "الكبرى" في العالم العربي هو تسليم ترامب ونتنياهو مقدّرات العرب وأموالهم طمعاً في الحماية من خطر إيراني مفترض. ويزداد القلق، لأن من يدافع عن هذه الدول إنما يفعل في واقع الأمر وليس في الأماني. وعلى الرغم من تطوعها بأكثر من مائة مليار دولار من أثمان الأسلحة، هم أفقر العرب الذين ساهمت في إفقارهم وحصارهم وتمزيق بلادهم. ويزداد القلق أكثر، لأن غاية نجاح هذه الدول كانت في بناء "جيوش إلكترونية" من القاعدين غير أولي الضرر، لكيل السباب العنصري للرجال الذين يدافعون عن أمنهم وأعراضهم. ويتضاعف القلق، لأن مفهوم هؤلاء للأمن العربي لا يعني إرسال جنودٍ من جيش الجمبري، أو الذباب الإلكتروني، للدفاع عن عروبة لبنان كما يزعمون، وإنما التعاقد من الباطن مع متعهدين (إسرائيليين هذه المرة) ينوبون عن الأمة في الدفاع عن هذه العروبة المهدّدة. المفارقة أن يرفض المتعهدون علناً هذه الصفقة، لأنهم "غير مستعدّين للمحاربة نيابة عن آخرين". أما أصحاب "الرز" فلم يتبرّعوا حتى بكلمة تعاطفٍ مع أولياء النعمة، بل استضافوا جماعة الحوثي في القاهرة، وتقاربوا مع إيران والعراق، ودافعوا عن حزب الله، ودعموا الأسد بالسلاح والتخابر ورعاية "معارضين" من محبّيه.

ولكن ما يدعو إلى أقصى حالات القلق هو ارتجاف هذه العواصم رعباً من زيارةٍ تستغرق ثلاثة أيام لبلد مجاور، لم يتطوّع أي من قادتهم بزيارته، ناهيك عن دعمه ومساندته. فأي رسالةٍ ترسل هذه الهستيريا لمجرد زيارة لزعيم منافس (وليس معادياً، وكان رئيس وزرائه في الرياض في موعد زيارة الرئيس الخرطوم) إلى عاصمة عربية؟ فيا ليت زيارات الحكام العرب لبلد ما تثير القلق لدى من يتّهمونهم بتهديد الأمن العربي. فلم نسمع إيران مثلاً تبكي وتندب لأن قادة عرباً زاروا العراق قريباً، أو قدّموا الدعم العسكري لجيش لبنان. وهل أظهرت إسرائيل ذرّة من الاهتمام بتدافع العرب على واشنطن وبذلهم البلايين لاقتناء أحدث الأسلحة من كل حدب وصوب؟

مشكلتنا "العربية" مركّبة. فمن جهة يقتصر مفهوم "كبار" القادة للأمن على الهرولة تجاه أعدى أعداء الأمة، من أمثال ترامب ونتنياهو، والتنافس على رضاهم. وثانياً، المرعب أن جيوش هذه البلدان، على الرغم من البلايين التي صرفت عليها (خصوصاً في مصر التي يؤكد رئيسها كل يوم أنها "فقيرة") إلا أنها عاجزة ليس فقط عن الدفاع عن حدود البلاد، بل حتى عن بعض أجزائها، كما في سيناء. وثالثاً، لأن مظاهر الرهاب (البارانويا) التي تعبر عنها أبواق هذه الدول تجاه خطواتٍ دبلوماسيةٍ عاديةٍ تقع كل يوم، تعطي رسالة أن الأمن العربي هو حقاً غاية في الهشاشة. وأخيراً، فإن متلازمة الاعتماد على الغير في الأمن هي أكبر خطر يتهدّد هذا الأمن.

في مطلع الثمانينات، أطلق قائد سعودي نداءً للجهاد من أجل تحرير القدس (إي والله، صدّق أو لا تصدّق، "الجهاد" بكل هذه الحروف، ولتحرير القدس وليس كابول). وتعقيباً على هذه الدعوة، أطلق ظرفاء في ذلك البلد نكتة تقول إن الأمير المعني جمع مستشاريه بعد عام لمتابعة تطورات هذا الجهاد المبارك، والتحقّق من الخطوات العملية التي اتخذت لتنفيذ التوجيهات. فأجابه كبير المستشارين: "يا طويل العمر، طرحنا عطاء لتنفيذ هذه المهمة، وبحمد الله رست على الكوريين".
وما نقترحه هو إرساء عطاء الأمن العربي على الأتراك، عسى ولعل.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر