الراصد القديم

2018/02/02

الخطأ الطبي في لبنان قضاء وقدر أم مسؤولية البشر؟




في لبنان، بات الإنسان رخيصا لدرجة اعتبار المريض رقما في ملف يمسك أطرافه كل من الطبيب والمستشفى ووزارة الصحة. فمن يتحمّل مسؤولية الخطأ الطبي الذي قد يودي بحياة إنسان؟


القضاء والقدر وانتهاء الأجل، تعدّدت الأسباب والموت واحد، لكن ماذا لو تعثّرنا بالمرض، وجاء الموت على شفا غلطة طبيب ولو بغير قصد؟

لن يكون طبيب عصرنا كبير كهنة الفراعنة “إمنحوتب” المقدس “إله الشفاء”، ولم يعد العلاج يرتبط بالسحر والتعويذات، بل بمجموعة من النظم العلمية والاكتشافات المرتبطة بالتكنولوجيا، إلا أن المعيار الأساس يبقى وعيّ الطبيب، تيّقظه وسرعة مبادرته، والأهم ما تفرضه عليه أخلاقيات مهنته الإنسانية.

خطأ في التشخيص، جرعة زائدة، إهمال أو تقصير الطبيب وغيرها من الأسباب أدت بضحاياها الى عطب دائم، تشوه أو وفاة. آخر الضحايا الشاب الثلاثيني، محمد ياسين، الذي توفيّ منذ عشرة أيام بعد عارض صحيّ ألمّ به اضطره لدخول المستشفى، ولكنه فارق الحياة ويُشاع أنه تعرّض لإهمال من قبل الطبيب المعالج، وكغيرها من القضايا تندرج تحت عنوان “دخل ولم يعد”.

كل ملف طبيّ أو شكوى له خصوصيته ملابساته وظروفه، وإذا ثبت تورط الطبيب تُتخذ بحقه عدة إجراءات قانونية بعد تحديد حجم مسؤوليته، بدءا بالتنبيه حتى التوقيف المؤقت عن العمل، والغرامة الماليّة وصولا الى قرار المنع من ممارسة المهنة نهائيا.

وتشير مصادر الى أنه جرى تقديم أكثر من ألف شكوى متعلقة بممارسات طبية خاطئة، ركزت فيها على الاطباء بين عامي 1996و 2013، كما أنهت “لجنة التحقيقات المهنية” في نقابة الاطباء 1442 ملفا متصلا بالأخطاء الطبية بين عامي 1997 و2015.

نقمة متجددة لدى الرأي العام تنفجر في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي عند حصول حادثة ترتبط بخطأ طبي، واتهام نقابة الأطباء بسعيّها الدائم الى تبرئة الطبيب المتورط، او تخفيف المسؤولية عنه من خلال تحريف الحقائق، او إلقاء المسؤولية على الفريق المتعاون كطبيب البنج او طاقم التمريض او غيرهما، إضافة الى المماطلة في الدعوى القضائية وصولا الى حد تعطيلها والطعن المتكرر بالقرارات.

نقابتا الاطباء والمستشفيات

نقيب الأطباء، الدكتور ريمون الصايغ، يستنكر هذه الادعاءات، ويرى أنه “من المُعيب ان يُقال اننا نغطيّ الاطباء واشدد على ضرورة الحفاظ على سرّية التحقيقات وسمعة الجسم الطبيّ امام الرأي العام، فالقضاء وحده له الحكم في هذه القضايا والمؤسسات والمجالس التأديبية هي الجهات المخولة باصدار الاحكام والقرارات”.

يشرح الصايغ دور النقابة والاجراءات المتخذة، ويقول “بعد تلقي الشكوى وبعد الأخذ برأي الاطباء الاستشاريين في لجنة التحقيقات تتحدد لدينا الاخطاء في الملف بعد ذلك يتم عرض ما توصلت إليه هذه اللجنة على المجلس التأديبي في النقابة وفي ضوئها نأخذ قرار ابلاغ النتائج للجهتين المعنيّتين وهما المدعيّ والمدعى عليه، وبعد مهلة 15 يوما تذهب الدعوى الى محكمة الاستئناف عند القاضي المختص الذي ينظر بالملف، وبدوره يأخذ قرارا بهذا الشأن وتتحدد المسؤوليات، ومن الممكن أن يذهب هنا المدعيّ الى القضاء المدني لتحصيل تعويضه المادي، ومن الممكن ان تتم هذه العملية مباشرة بين الطرفين”.

ويضيف الصايغ “يقتصر توجهنا للقضاء في حال ثبت تقصير الطبيب مسلكيّا وحسب، وليس تقنيّا أي نتيجة جهل او تقصير واهمال بعد ان يتخّذ المجلس التأديبي القرار المناسب بحقه.”

من جهته، نقيب اصحاب المستشفيات المهندس سليمان هارون، يؤكد انه “لا يمكن تفاديّ الأخطاء الطبيّة، هي تحصل كل يوم لأن الاطباء هم بشرقد يخطئون، والاخطاء لا تنحصر بالاطباء، بل بالفريق الطبي المساعد ايضا”.

هارون، اشار الى ضرورة تعيين جهة خاصة تقوم بتسجيل الاحصاءات الدقيقة للأخطاء الطبيّة بحيث لا يطلب من المستشفيات تقديم جداول بهذا الخصوص، علما اننا ندوّن كل الأخطاء الحاصلة داخل المستشفى”.

وتفاديا للالتباسات، واتهام كل من نقابتي الاطباء واصحاب المستشفيات بالإنحياز للعاملين في القطاع الطبيّ، دعا هارون الى “تعيين فريق من القضاة والمحامين او مدّعين عامين متخصصين في المسائل القانونية الطبية”، مشددا على “ضرورة بقاء هذه الملفات بعيدة عن تداول الاعلام لخطورة طرحها امام الرأي العام بحيث يكون هناك تقارير مختلفة ولم تثبت صحة أيّ منها، ويجب انتظار استكمال التحقيقات والكلمة الفصل تكون للقضاء”.

وزارة الصحة

ماذا عن الشكاوى المقدّمة الى وزارة الصحة، وهل صفتها الاستشارية وغير الملزمة في القضاء تهمش دورها؟

مصدر في وزارة الصحة، قال “عندما تحصل حادثة يطلب الناس منا إقفال المستشفى، ووضع الطبيب في السجن، واستباق قرار القضاء. ويُعد هذا الاجراء تصرفا شعبويا، نحن مع المريض ومع الجسم الطبي ايضا، لكل حقوقه وواجباته، ونحن نضع استشاراتنا بخدمة القضاء، وعندما نتبلّغ بأي حادث ناتج عن خطأ طبي نتحرك تلقائيا، ونتحرى ونحضر ملفا، وان لم يكن ملزما، ونقدّمه للقضاء”.

وطالب المصدر اعادة النظر بالقوانين والصلاحيات المُعطاة للوزارات، وصرّح بأن الوزارة “بصدد وضع مشروع قانون يرميّ الى تخصيص محامي عام طبي متفرغ لمساعدة القضاء، واختصار مدة التحقيقات التي تستهلك وقتا طويلا”. ويضيف “احيانا عندما تحصل مشكلة في ملف قضية طبيّة لا يقاربها القانون لا ننتظر تعديله، بل نضع مراسيم تطبيقية لمعالجته”.

ومما تقدّم نجد ان جوهر المشكلة يكمن في السياسات الصحيّة والقانونية المتبعة، ونتيجة اخفاقات على مستوى المؤسسات والنظم الصحية العامة، والدعوة الى تغيير جذري يقوم على وضع اسس وخطط استراتيجية تساهم في خلق الوعيّ لدى الطبيب والمريض معا لئلا يكون أحدهما ضحيّة الآخر.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر