الراصد القديم

2018/03/01

صفحات من سجل الوحدة المصرية السورية في ذكراها الـ60


محمد عبد الحكم دياب

تحل هذه الأيام الذكرى الستون لقيام الجمهورية العربية المتحدة وإعلان الوحدة المصرية السورية، وهو شأن لو تعلمون عظيم، وكانت فلسطين حاضره فيه طوال الوقت.. وهناك من نظر للوحدة كطريق لتحرير فلسطين، وآخرون رأوا أن تحرير فلسطين يتم عبر الوحدة.. ومن ينظر حوله الآن يرى ما حل بالقضيتين المتلازمتين؛ تبدل الحال وتغيرت الظروف.. الوحدة «تشيطنت»، وفلسطين تقطعت أوصالها وتمزقت؛ ونفضت حكوماتنا يدها منها، والمد الإنعزالي والطائفي والمذهبي والعشائري والصهيوني أضحى غالبا؛ يتبارى لاعبوه في تمزيق أشلاء العرب، وفي التفريط في حقوقهم الوطنية، وفي إشاعة ثقافة الفتنة، وتغليب مبررات استمرارها والدفاع عنها.

كان عمر الوحدة المصرية السورية قصيرا؛ ثلاث سنوات وسبعة أشهر وستة أيام؛ من لحظة الميلاد الرسمي في 22 شباط/فبراير 1958 حتى الاغتيال في 28 أيلول/سبتمبر 1961.. والمدة أقصر من أن تتيح فرصة للتقييم والتقويم، ومن انقلبوا عليها كان في مقدروهم أن يضغطوا لتصحيح ما لم يكن صوابا من وجهة نظرهم، لو حرصوا على الدولة الوليدة واغتيلت وهي تحبو، ومثلها مثل أي عمل لم تخل من نواقص وعيوب، ولأن الهدف كان الاغتيال وإسقاط الدولة الوليدة شاركت «الشركة الخماسية» في الوأد، وساعدت أموال النفط في التحريض ودعم الانفصال.

كثرت المزاعم عن غياب الإرادة المؤيدة للوحدة، وكأنها فُرضت عنوة؛ بطريق الغزو أو الفتح أو ما شابه.. ولو أن التأييد الجارف لها حدث في هذه الأيام لقالوا حِيَل الـ«فوتوشوب».. ولعب المال النفطى دوره؛ كغطاء مزيف يبرئ ساحة الفاعلين الحقيقيين؛ كـ«براءة الذئب من دم بن يعقوب»!!، وللتشويش على الملايين التي دُفعت لعبد الحميد السراج؛ مدير المكتب الثاني (المخابرات) فى سوريا، ونائب الزعيم عبد الناصر فيما بعد، وبلغت 12 مليون جنيه إسترليني؛ بقيمتها في ستينيات القرن الماضي، ولم يقتصر الهدف على إسقاط دولة الوحدة بل شمل اغتيال عبد الناصر، والتخلص من أكبر المؤمنين بها والعاملين على امتلاك أسباب القوة، وأهمها قوة الوحدة.

ساير السراج أصحاب تلك الملايين، وتسلم صكوكها المصرفية منهم، وأوصلها بدوره إلى عبد الناصر، ومعها تفاصيل ما جرى، وفورا أذاعها الزعيم الراحل على الملأ من شرفة قصر الضيافة بدمشق، وكان ذلك المال قد سهَّل الاستقطاب المطلوب؛ بين قوى اختلفت على كل شيء، وأجمعت على كراهية الوحدة، وعلى هدم كل بنيان للقوة والتماسك في «القارة العربية»؛ وما زال هذا موقفها، وجمعت قوى ليبرالية؛ قديمة وجديدة، وانفصاليين وانعزاليين ورجعيين، وملوك طوائف وشيوخ قبائل وقادة عشائر، ورعاة مذاهب ورجال أعمال، وجنرالات حلفاء لواشنطن وتل أبيب.

تحضرني قصة لها دلالة، فبعد الانتقال للندن كمنفى اختياري أسسنا؛ زملاء وأصدقاء.. دارا للطباعة والنشر، حفاظا على استقلالنا المالي، وتجنبا لضغوط الاستقطاب في ذلك الوقت، وكانت الطباعة العربية وقتها محدودة في لندن؛ نهاية سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي. وفي هذه الأثناء اتصل بنا شباب سعودي؛ أثناء بحثهم عن مكان لطباعة مجلة لهم بالعربية، وقدمت له الدار عرضا مشجعا وافقوا عليه، وبدأ العمل في المجلة، وكانت الدار تجمع مجموعة متميزة من المخرجين والمنفذين الصحافيين، امتازت بالكفاءة والخبرة العالية، وعند اللمسات الأخيرة، اكتشفوا أن المجلة خلو من اسم جهة مسؤولة عن الإصدِار، فاتصلنا بالشاب المسؤول وطلبنا منه تزويدنا باسم جهة مسؤولة عن المجلة.. فأفاد بأنهم طلبة «مبتعثون» وهم الذين يصدرونها، وترك الأمر لنا، فاجتمعنا كإدارة مسؤولة، وقلنا ما دامت مطبوعة طلابية، فبالقطع تصدر عن اتحاد طلاب.. واتصلنا بالشباب وأبلغناهم بما استقر عليه رأينا، وحصلنا على موافقتهم بأن تصدر عن «اتحاد الطلاب السعوديين».

وتم الطبع، وتسلمت الدار الكمية المطبوعة، وحضر الشباب، وأخذوا معهم عدة نسخ لإطلاع المسؤولين عليها، وبعد فترة وجيزة على مغادرتهم للدار طلبنا أحدهم بالهاتف، وقال أوقفوا كل شيء، وهم في الطريق للتصرف.. وحين حضروا قالوا إنهم يتحملون المسؤولية، وطلبوا إعدام وحرق كل النسخ، وكانت كميات كبيرة؛ كان مقررا لها أن توزع داخل المملكة وعلى الجامعات وجهات أخرى عديدة، وطلب شاب من كاتب هذه السطور التحدث منفردين في غرفة جانبية، وفي الحديث المنفرد ذكر الشاب أن قاموس المملكة يخلو من كلمة أو تعبير «توحيد واتحاد أو وحدة»، ويخلو من مشتقات فعل يُوَحِّد أو وحَّد، حتى لو كانت كلمة «وحدوه»؛ كلها محظورات وممنوعات غير مسموح بها.. وكانت تلك بداية التعرف على مفاتيح الترميز (التشفير) السعودي في التعامل!!

وأردنا كدار أن نخفف من الخسائر والهدر، وقلنا للشباب أن المطلوب تغييره مطبوع على الغلاف فقط، وتوفيرا للنفقات نقترح تغيير الغلاف، بدلا من إعادة تجهيز وطباعة مجلة ملونة من جديد وتزيد على ثمانين صفحة، وبتكلفة مرتفعة لا تقارن بتكلفة طباعة الغلاف وحده، وفي ذلك الوقت منذ أكثر من ثلاثين عاما لم تكن الطباعة بمستوى التقدم الحالي، وكانت تعتمد على الجهد البشري المكلف للغاية، ولم يعد ذلك قائما؛ بسبب اختزال الأجهزة الذكية لمراحل الطباعة، ووجد الشباب في ذلك حلا، وأحضروا الإسم المعتمد، وصدرت المجلة وعلى غلافها المعدل صدورها عن «صندوق الطلاب السعوديين».

وزاد ذلك من فهمنا للخطاب الرسمي السعودي؛ يبدو توحيديا في مظهره، لكن مخبره طائفي وانعزالي وانفصالي ومذهبي وعنصري؛ يغض الطرف عن أي شيء لكنه لا يتسامح مع مفردات الوحدة والعروبة ومترادفاتها، من هنا يأتي سر تسمية «مجلس التعاون الخليجي»، من غير صفة «الاتحاد»؛ الممنوع إطلاقها على أي مؤسسة أو منظمة أو هيئة أو كيان تكون المملكة طرفا فيه، والأمر ليس فقط عقد ترتبت على التسمية بل تعدتها لرفض ما هو أبسط؛ كالتعاهدية (الكونفدرالية) والاتحادية (الفيدرالية)، ورفض الأدنى والأقل، ومشكلة الوحدة المصرية السورية أنها كانت إندماجية؛ لتوحيد بلدين شقيقين؛ لو قيض لها الاستمرار والنجاح لاحتلت «القارة العربية» مكانتها بين الكيانات الكبرى أو الدول العظمى، وما كان للتقسيم أن يتم، وما استطاعت الدولة الصهيونية التمدد والتوسع، وما جرى لفلسطين ما كان قد جرى، ولقطع شعبها شوطا كبيرا على طريق التحرير والعودة!!

وفي عصر أصبحت لغة المال والسلاح والفتن والاقتتال؛ هي لغته الماضية في التفرقة والتقسيم وتأجيج الحروب الأهلية والبينية، وفوق كل هذا وذاك «شيطنة» كل مسعى نحو القوة، وبعد أن كانت لـ«الشيطنة» مواسم كلما أطلت ذكرى الوحدة، وحلت مناسبة الانفصال ونكسة 1967، وأضحت الآن على مدار العام.

والمعروف أن المعارك سجال؛ انتصارات وهزائم وتعادل لمن يملكون الإرادة، أما من يكتفون بمنصات النواح ومجالس المكايدات، وهم من القابضين على زمام «القارة العربية»، ومن أجهضوا المجهود العربي الذي وقف وراء إحراز أهم نصر عسكري في التاريخ العربي الحديث في 1973، ولو ملكوا الإرادة لحولوه لنصر سياسي، وما كان لهم أن يقدموه هدية على طبق من ذهب لعدوهم، وما لم يُحققه من تحويل نكسة 1967 إلى هزيمة سياسية، حققه نفر من جيل اكتوبر1973 وحولوا النصر العسكري إلى مكسب سياسي للعدو، ومن يومها لم يتوقف التفريط، ولم تنته التنازلات، حتى أصبح الوجود العربي ذاته موضع شك!.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر