الراصد القديم

2018/04/02

مصير السلفيين



عبد الحليم قنديل

كل المسلمين سلفيون بطريقة ما، يقتدون بسنة النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وبسيرة السلف الصالح من الصحابة الأولين والتابعين بإحسان، لكن السلفية التي نقصدها هنا شيء آخر مختلف، تقتدي بجماعة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتتبنى تفسيرا متزمتا ضيقا لتراث الفقه الحنبلي، وتفسق وتكفر أغلب مذاهب وتيارات التفكير الإسلامي، وتبشر أصحابها بنار جهنم والعياذ بالله، وتعجل تياراتهم العنيفة بإرسالهم إلى الآخرة ذبحا بسكاكين قطع الرقاب.

وقد انتشرت السلفية المقصودة كالنار في الهشيم عبر العقود الطويلة الأخيرة، وطبعت بطابعها أغلب جماعات ما يسمى تيار الإسلام السياسي، وكانت قوة الدفع الكبرى للفوائض المالية الخليجية، ولمليارات المال السعودي بالذات، وهو ما اعترف به الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي القوي. سألوه في صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية عن دور السعودية في نشر الوهابية السلفية، وعن تكوين الجماعات السلفية التكفيرية الإرهابية القاتلة، وكان جواب الرجل صريحا مباشرا، فقد قال إن الغرب هو السبب، وإن الدوائر الغربية طلبت من السعودية أداء المهمة، وتجنيد فوائضها المالية الهائلة في خدمة الحرب ضد الاتحاد السوفيتي السابق والأفكار اليسارية، واستجابت السعودية بإقامة سلسلة هائلة من مراكز نشر التفكير السلفي الوهابي حول العالم، في صورة مساجد ومجالس وجماعات وجمعيات ودور نشر. وأتى اعتراف بن سلمان في سياق نقدي لماض قريب، فهو يخوض حربا في بلاده ضد جناية السلفية المتشددة على الناس والإسلام، ويضم إلى جوار الوهابية ذات المنشأ السعودي تاريخيا، فرقا وجماعات أخرى ذات طابع سلفي، من نوع تيار الصحوة الإخوانى، الذي اتهمه بن سلمان بالسيطرة على جهاز التعليم السعودي لعقود طويلة، وبما انتهى إلى تشدد وانغلاق شل طاقة المجتمع، وأبعده عن دواعي الالتحاق بحركة العصر.

وبعيدا عن تجربة محمد بن سلمان في السعودية، وعن المصائر التي تنتظرها سلبا أو إيجابا، والحكم فيها متروك على أي حال للشعب العربي في السعودية أولا، بعيدا عن ذلك كله، فقد كان اعتراف الأمير كاشفا لحقيقة جوهرية سبق إليها ذوو الألباب، هي أن ما يبدو لنا من تشدد في الدين، ومن تزمت في السلوك والمظاهر، ومن انغلاق فى التفكير، ليس كله لخدمة الإسلام، ولا ابتغاء لمرضاة الله، وتيسيرا لنيل جنة رضوانه، بل أن الكثير منه مصطنع، وأشبه بسلوك «عرائس الماريونيت»، وفي مسرح العرائس، لا تعلم الدمية من يحركها، وهو ما تكرر كثيرا على مسرح تاريخ تيار ما يسمى «الإسلام السياسي»، وحركة جماعاته وفرقه، التي تمتلئ قواعدها حماسا لما تتصوره صحيح الدين، لكنها لا تطلع بما يكفي على سيرة قادتها المتحكمين بمبدأ السمع والطاعة، ولا على ارتباطاتهم الخفية مع القوى المسيطرة على حركة العالم، وقوى الاستعمار والهيمنة الغربية بالذات، من السيطرة البريطانية التي كانت لا تغرب الشمس عن امبراطوريتها الواسعة، إلى السيطرة الأمريكية المتفشية بعد الحرب العالمية الثانية، وكلها صور من السيطرة، عملت بوسائل وأساليب متقاربة، عبر مدارس الاستشراق ومراكز التفكير الاستراتيجي، وصولا إلى العمل الميداني المباشر لاحتكارات الاقتصاد وقوة السلاح ودوائر المخابرات، وبهدف لا يخفى في عالمنا العربي والإسلامي، عنوانه: تأبيد تخلفنا، والإهلاك الدورى للحرث والنسل، مع توفير إطارات سلسة جاهزة دائما لشفط الموارد أولا بأول، وعلى نحو يفقأ الأعين في مشاهدنا المنظورة، وعبر نظم حكم هشة تابعة بالخلقة، قد تتخذ صورا ديكتاتورية وراثية، أو حتى ديمقراطية صورية، وهو ما قد يضمن اتصال السيطرة في مدى راهن، لكن الأهم عند المسيطرين الغربيين، هو السيطرة في المدى الأطول، وإعادة هندسة مجتمعاتنا ذاتها، بخلق جماعات بيزنس و»كومبرادور» تجاري، أو بتشجيع التفاهم مع تيارات التفكير السلفي بالذات، وهي الأقرب للسيطرة على وجدان المجتمع المتعثر، ومنعه من التفكير في حوافز التقدم والمستقبل والتصنيع والعدالة والعلم الحديث، وتبديد حيوية التجديد الإسلامى، وسحب فرقه وجماعاته إلى معارك ضالة، من نوع سحب شعور الشباب الإسلامي إلى خوض حرب في أفغانستان البعيدة، وإلهائه عن التفكير في حرب لتحرير فلسطين القريبة، ثم تنتهي اللعبة بتحطيم أفغانستان ذاتها، وإعادتها إلى ما قبل العصر الحجري، والانتقال بعواصف الدمار والهلاك الذاتي إلى العراق بعد الغزو الأمريكي، وإطفاء نور الثورة السورية السلمية في بداياتها، وتحويلها إلى حرب لا تبقي ولا تذر، جرى فيها تحطيم سوريا بعد تحطيم العراق، وهو ما يتكرر في ليبيا وفي اليمن، وبمعية التيارات ذاتها على اختلاف راياتها، وأغلبها من بنات التفكير السلفي، الذي كسب قوته الأولى من فوائض المال الخليجي، وانتفخت سطوته عبر أربعين سنة بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، وتوزعت جماعاته على ألوان وهابية صريحة، أو على ألوان إخوانية ملتبسة، أو على لون مزدوج «وهابي ـ إخواني»، عبرت عنه «السرورية» المنسوبة للشيخ محمد بن سرور القيادي الإخواني السوري اللاجئ إلى السعودية، وقد تركها فيما بعد، تماما كما لجأت قيادات الإخوان المصريين إلى السعودية ذاتها بعد الصدام مع عبد الناصر وتجربته الثورية، ثم أتت جماعات «السلفية الجهادية» التي خرجت من المعطف نفسه، ونشرت إرهابا معولما، لا يبتغي سوى وجه القتل للقتل، ومن وراء لافتة معتادة، تدعي طلب الخلافة الإسلامية الجامعة. وقد توجد فوارق موقوتة في الشعارات التفصيلية للجماعات المعنية، فبعضها يرفع شعارا فقهيا، وأخرى ترفع شعارات سلمية، وثالثة تذهب إلى آخر الطريق مباشرة، وتعلن طبيعتها العنيفة المدمرة، وعلى نحو ما تفعل جماعات «القاعدة» و»تنظيم الدولة» (داعش) وأخواتها، لكنها جميعا، ربما باستثناء الحركات المحاربة لكيان الاغتصاب الإسرائيلي وحده، كلها تقبل التحول من الشعار الفقهي والسلمي إلى العنف ودماره، وتتحول قواعدها من جماعة إلى أخرى، كأن يتحول السلفي المسالم أو الإخواني إلى «داعشي» في غمضة عين. وعلى طريقة «الباب الدوار» في مداخل الفنادق، وفي إثبات مرير لقاعدة مهلكة، هي أن «داعش» و»الدعشنة» أعلى مراحل تطور ما قد يسميه البعض بالحركة الإسلامية، ربما باستثناء حركات مغاربية، ترك بعض قادتها أصولهم السلفية، وغادروها إلى مواقع ليبرالية نسبية .

وما يجرى اليوم في السعودية، وأيا كان مآله والرأي النهائى فيه، ينطوي على محنة وجود عظمى لتيارات السلفيين على اختلاف راياتهم. فقد كانت «مكة المكرمة» هي مهبط الوحي القرآني، لكن السعودية الحديثة والحركة الوهابية بالذات، هي مهبط الوحي للسلفيين. وقد كانت هي الزاد والمأوى للسلفيين في العالم العربي بالذات. وبرغم بقاء الوهابية صوريا في السعودية إلى الآن، وفي صورة ما يسمى «هيئة كبار العلماء»، فقد تداعى نفوذ الوهابية على حكم سعودي لم يعد يحتاجها، ويحطم يوميا مقولاتها ومؤسسات نفوذها، وينهي أدوار هيئاتها النظامية، من نوع «المطوعين» وجماعة «النهي عن المنكر» حسب تصوراتهم، ويزيل قيود النقاب والعباءة السوداء السابغة للنساء، ويسمح للنساء بقيادة السيارات وارتياد الملاعب ودور السينما والمسارح، والمساواة في حق العمل والاستثمار، وينهى سيطرة الوهابية والإخوان على المدارس والجامعات، وهو ما يعد تطورا اجتماعيا هائلا بالمقاييس التي كانت مسيطرة في السعودية، ويعد انقلابا كاملا على مقولات وخرافات وبدع السلفيين، ويكاد يقودهم إلى انقراض حقيقي، أو إلى صدام مفتوح مع حكام السعودية الذين تخلوا عنهم، وباعوهم في مزادات السياسة والاقتصاد والسلاح. فلم يعد حكام السعودية يجدون حرجا في لقاء قادة الكنائس مثلا، وعلى نحو ما فعل محمد بن سلمان في زيارته للبابا تواضروس رأس الكنيسة القبطية، بينما لا تزال فتاوى متخلفة للسلفيين المصريين قائمة، استقوها أساسا من معين التفكير الوهابي، على طريقة فتاوى تحريم مصافحة المسيحيين، أو تهنئتهم بأعيادهم الدينية، وفتوى التنكيل بالزوجة المسيحية للرجل المسلم، وكلها فتاوى بائسة تنتسب للإسلام زورا، فقد دعا القرآن إلى مودة أهل الكتاب الذين لا يحاربون المسلمين، وفتاوى من هذا النوع هي مجرد مثال على المحنة، و»عينة بينة» من ركام فتاوى التخلف، وإنكار العلم وكروية الأرض، وتحريم تحية العلم والغناء والموسيقى والنحت والتصوير، وتقديس النقاب والختان والجلباب القصير، وتكفير الديمقراطية والاشتراكية، وكلها مما يمهد الأرض لزحف جماعات إرهاب سلفية، تدعي أنها تنتصر للإسلام وشريعته، بينما هي تقيم شريعة الغاب والاستعباد والاسترقاق وقطع الرقاب. وقد خرج هؤلاء وأشباههم من رحمة العطف السعودي فجأة، وانقلب المزاج السعودي الحاكم إلى «وهابية» من نوع آخر، قد تقترب في نسبتها إلى فن الموسيقار المصري محمد عبد الوهاب، لا إلى فتاوى الشيخ السعودي محمد بن عبد الوهاب.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر