الراصد القديم

2018/05/01

دور مصر في سوريا

 
عبد الحليم قنديل

بالعربية الفصيحة، رفضت القاهرة طلبا أمريكيا ملحا بإرسال قوات مصرية إلى شمال شرق سوريا، تحل محل قوات أمريكية متواجدة هناك، يريد ترامب سحبها في أقرب وقت، خيفة أن تقع في مصيدة قوات النظام السوري المتحالفة مع فصائل مدعومة إيرانيا، إذا تصاعدت نذر الحرب بين واشنطن وطهران، عبر الذراع الإسرائيلية، وليس في مصر الرسمية من يريد إحلال العداوة لإيران محل أولوية القضية الفلسطينية. 

وبالطبع، بوسع القاهرة أن تقدم أعذارها، فأولوية الجيش المصري في مصر نفسها، وفي استكمال عملية تحرير وتطهير سيناء، وفي ضمان الأمن الشامل لمصر أولا، ولمجالها الحيوي الممتد شرقا وغربا وجنوبا، وعبر مصالحها الحيوية في البحرين الأبيض والأحمر، وفي العمق الإفريقي.وقد امتنعت مصر من قبل عن الذهاب بقوات برية إلى حرب اليمن، فهي لا تريد أن تكون طرفا مباشرا بقواتها في أي نزاع داخلي عربي، وإن أعربت دائما عن استعدادها للمشاركة القيادية في جهد دفاعي عربي شامل، على طريقة «القوة العربية المشتركة» التي دعت مصر إلى تكوينها، وقدمت خططها وتفاصيلها، وأخذت قرارا من الجامعة العربية بها، ثم لم تلق إلا الصد والإعاقة من أطراف بعينها، تفضل دفع مئات مليارات الدولارات لواشنطن مقابل الحماية الوهمية.

وفي المسألة السورية، لا يبدو موقف مصر الرسمي متجاوبا بأي درجة مع الأولويات الأمريكية (الإسرائيلية بالبداهة)، واتخذت موقفا بالضد من موقف حلفاء وفرقاء الخليج، وامتنعت تماما عن تأييد العدوان الثلاثي (الأمريكي البريطاني الفرنسي) ضد منشآت عسكرية سورية، وبدت أقرب إلى معارضته، وإن بطريقة دبلوماسية متراخية لكن محسوسة، على طريقة بيان الخارجية المصرية المعرب عن «القلق البالغ للتصعيد العسكري الأخير». 

ولم يكن بوسع القاهرة الرسمية أن تتخذ موقفا آخر، فقناعاتها الضمنية في مكان آخر، ومواقفها العملية أكثر وضوحا في رفض التصورات الأمريكية، والرأي العام المصري مؤيد لسوريا بلا تحفظ، ورافض للسياسة الأمريكية على طول الخط، وبغير نظر إلى خرائط وأطراف المقتلة السورية، فسوريا أهم بلد عربي في ضمائر المصريين، ودمشق أهم عاصمة عربية، وهي الأقرب بامتياز لقلوب المصريين، وبين القاهرة ودمشق، ميراث طويل من التوحد في الميدان، ليس فقط في زمن الوحدة المصرية السورية تحت قيادة جمال عبد الناصر، ولا في وحدة السلاح زمن حرب أكتوبر 1973، بل عبر مئات السنين، كانت فيها مصر وسوريا الكبرى (سوريا الحالية ولبنان وفلسطين والأردن) في ولاية سياسية واحدة، منذ حكم أحمد بن طولون لمصر حتى الغزو العثماني، وكانت معارك مصر وسوريا (المتحدتين) هي ذاتها معارك الأمة الكبرى، وهزمت غزوات التتار والصليبيين وغيرهم، وإلى أن وقع الغزو العثماني، وفصل ارتباط مصر وسوريا سياسيا، وكانت مصر أسبق في التحرر من هيمنة المركز العثماني، وكانت نهضة محمد علي، وبناء جيش حديث من المصريين، أعاد مد جسور الارتباط المصري بالشام، وخاض حروبا وصلت به إلى أبواب الآستانة، وكاد يبنى خلافة عربية حديثة، لولا أن تآمر تحالف الاستعمار الغربي (البريطاني الفرنسي وقتها) على مصر، ومنعها من استكمال الإجهاز على حكم الآستانة المريض، رأس التخلف الذي دام قرونا في المنطقة.
وما قلناه أعلاه، ليس مجرد استطراد ولا فذلكة تاريخية، فحوادث اليوم لم تنشأ من فراغ، والتحالفات على خرائط سوريا الممزقة لم تأت عبثا ولا سهوا، وتركيا الراهنة، على خصام قديم متجدد مع مصر، وأطراف العدوان الثلاثي الغربي في الموقف ذاته القديم تقريبا، وإن أعطت هذه المرة أولوية لمصالح إسرائيل فوق مصالح تركيا، والمفردة «الكردية» المضافة تائهة في دهاليز التحالف الغربي، وكل هؤلاء ـ وغيرهم ـ مع ضربة العدوان الثلاثي الأخيرة.

ومع ضربات أشد، تنزع عما تبقى من الكيان السوري سلاحه التقليدي، وليس فقط نزع السلاح الكيماوي، والأخير تحقق قبل سنوات، وجرى إرغام سوريا الرسمية على التوقيع على اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية، وكان ذلك مكسبا صافيا لإسرائيل بالذات، فالسلاح الكيماوي هو الرادع العربي الأخير المتبقي ضد سلاح إسرائيل النووي، ولا نستبعد أن يفتح الملف نفسه قريبا ضد دولة عربية كبرى، وهنا «مربط الفرس» كما يقولون، وليس الصيحات المستعيرة لثوب أخلاقي مكشوف، من نوع استنكار في محله تماما لاستخدام الغازات السامة في قتل الشعب السوري، وليس في ردع إسرائيل النووية، وأيا ما كان الطرف المسؤول، فلا أحد عاقلا يستبعد احتمالات مسؤولية جماعة بشار الأسد، ولا مسؤولية جماعات الإرهاب المسلحة التي تحاربه، لكن مذابح الكيماوي الإجرامية كلها، مجرد سطر عابر في دفتر المقتلة السورية، التي فقدت حوادثها مواصفات الثورة، مع إعدام سلميتها بنهاية عام 2011، وتحولت إلى حروب بالوكالة وبالأصالة، ومن قبل أطراف دولية كروسيا والتحالف الغربى ـ الإسرائيلي، أو من قبل أطراف إقليمية غازية كإيران وتركيا، أو من قبل الممولين الخليجيين لجماعات القتل والتدمير بمئات المليارات من الدولارات، فلم يعد بشار الأسد هو وحده الديكتاتور القاتل، بل صرنا بصدد ألف ديكتاتور وألف قاتل، في حرب كافرة، انتهت بإزهاق أرواح نصف مليون سوري على الأقل، وإجبار الملايين على النزوح واللجوء والهجرة، وتدمير سوريا حرثا ونسلا، وتقسيمها إلى مناطق نفوذ، ووضعها تحت انتداب واحتلال متعدد في أطرافه، التي ليس بينها طرف عربي واحد. 

ما العمل إذن؟ هل نكتفي بوصلات البكاء أو التباكي على ما جرى لسوريا والسوريين؟ أو الحديث المتكرر الممل عن حل سياسي لا يأتي، وعن جولات «أستانة» الكازاخية و»سوتشي» الروسية و»جنيف» الأممية، كل ذلك تتوالى جولاته، وليس له من مضمون محدد، سوى أن يقرر الغزاة الأجانب مصائر سوريا، وأن يواصلوا حروبا تتوالى إلى حد الإنهاك المتبادل، وقتل وترويع ما تبقى من السوريين، ثم تجري القسمة بمن حضر تحت عنوان التسوية، وبدون وجود سوري يعتد به، لا من الحكم ولا من المعارضة، وبغير وجود ولا مشاركة عربية على الإطلاق، وكأن سوريا ليست بلدا عربيا، وهنا بالذات، يأتي التساؤل عن دور مصر، وهي الدولة الكبرى عربيا، والأقوى عسكريا، وروابطها المتصلة بسوريا، قد تؤهلها لدور ضروري، لا تملك أى دولة عربية أخرى أن تؤديه، وبهدف إنقاذ ما يمكن إنقاذه من سوريا. 

ولا يعني الدور المصري المطلوب في سوريا دورا عسكريا بالضرورة، فالسياسة المصرية الحالية بالغة الحذر، ولا تريد التورط في مستنقعات استدراج وإنهاك، ثم أن اقتصاد مصر منهك لا يزال، ولا يوفر موارد كافية لعمل عسكري مستدام خارج الحدود، وهو ما يفسر الحذر المضاف في سلوك القاهرة إزاء سوريا، وحرصها على تجنب التورط في خطط الآخرين، وإن كانت تبدي ممانعة أصلب لخطط التحالف الغربي بالذات، وبدون قطع شعرة معاوية معه، وتحتفظ مصر بعلاقات أفضل مع روسيا، وشبكة تواصل لا بأس بها مع النظام السوري وجماعات من المعارضة السياسية في الوقت نفسه، وكلها مؤهلات لدور متزايد التأثير في صمت، دواعيه الظاهرة معلنة في ثلاثة خطوط، أولها: الحفاظ على ما تبقى من هياكل الدولة الوطنية في سوريا، وثانيها: التوصل إلى تسوية سورية داخلية، تبني حكما مع بشار أو بدونه، وثالثها: منح الأولوية لوحدة سوريا وهويتها العربية، وبالطبع، لا تبدي القاهرة الرسمية تسامحا مع جماعات سلفية، ولا انفتاحا على جماعة الإخوان السورية، والأخيرة موالية لتركيا كما هو مفهوم، كما تعارض القاهرة توحش النفوذ الإيراني، وإن كانت لا تعتبره معركتها الأولى الآن، فهي تعطي الأولوية لإبراز وتصليب كيان سوري، يكون مزيجا من عناصر الحكم والمعارضة الوطنية البعيدة عن حروب الداخل المسلحة، وتركز القاهرة على تقوية الجيش السوري بالذات، وجعله عمادا لإعادة بناء الدولة الوطنية، وللجيش السوري مكانة خاصة في تقاليد العسكرية المصرية الحديثة، فالمؤسسة العسكرية المصرية تعد أرقام جيوشها في الداخل بدءا من «الجيش الثانى» على جبهة الشرق، وتعتبر أن الجيش السوري هو «الجيش الأول»، وهو تقليد متصل منذ زمن الوحدة المصرية السورية بقيادة جمال عبد الناصر، وكل تلك موارد وعناصر مفيدة لدور مصري، نتوقع تزايد أثره في سوريا، ولا يبدأ الدور من نقطة الصفر اليوم، بل جرى التمهيد له بنوع من «تعويم» الدور، وبنشاط تراكمي دؤوب، قد ينقصه إلى الآن غطاء عربي شامل ومعلن، ومغادرة مواقع الحذر الزائد، فالمشرق العربي الممزق ينتظر كلمة مصر الجهيرة، ورفض مصر الأخير للتورط في الخطط الأمريكية عنصر إلهام، يجعل استجابة أي طرف عربي لأمريكا عملا مدانا، وهذه مجرد خطوة أولى، نتصور أنها لا تكفي، فلا بد من بلورة محور عربي يساند دور مصر، خاصة بعد فقدان حلفاء الخليج لأي دور ذي مغزى في سوريا، وانفساح المجال أمام مصر، وبترحيب سوري ملحوظ من أطراف مؤثرة، وبغير ممانعة كبيرة من أطراف لها الغلبة النسبية الآن في ميادين السلاح.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر