الراصد القديم

2018/06/02

الإسلام والخلافة

 
عبد الحليم قنديل

الخلافة قضية دنيوية بحتة، ليس لها أصل شرعd في الإسلام، لا في الكتاب ولا في السنة، اللهم إلا أحاديث متواترة عن النبي، عليه أفضل الصلاة والسلام، تخبر بما يجري بعد موته، لكنها لا تضع قاعدة دينية من أي نوع لنظام حكم المسلمين، فلا سلطة دينية مطلقا في الإسلام، إلا في بعض تفسيرات جانبية لفرق من الشيعة، تتحدث عن الإمامة المحصورة في نسل سيدنا علي من السيدة فاطمة، وتعطي عصمة النبوة للأئمة الوارثين.

وليس في القرآن الكريم، ولا في آياته المحكمات قطعية الدلالة، أي إشارة لنظام الخلافة، ولم ترد في الكتاب كلمة خلافة ومشتقاتها، إلا على سبيل التمكين للتجربة الإنسانية في الدنيا، ومنح الفرص المتكافئة للاختيار، وعلى نحو ما جاء في سورة البقرة «وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة»، وفي سورة النور «وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض»، أو في التذكير بتجارب سبقت الدعوة المحمدية لأخذ العظة والعبرة، وعلى طريقة ذكره تعالى في سورة ص « يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض»، وحين صعدت روح النبي الكريم إلى البارئ العظيم، فلم يترك النبي وصية استخلاف من أي نوع، وتوالت من بعده حلقات عهد «الخلافة الراشدة» كما درج عليه وصف التابعين، وكان لسيدنا أبوبكر الصديق صفة «خليفة رسول الله»، ثم تغيرت الصفة من بعده إلى لقب «أمير المؤمنين»، وقد اختاره سيدنا عمر بن الخطاب، حتى لا يشق على الناس في النطق، وحتى لا يقولوا عن عمر «خليفة خليفة رسول الله»، ثم تطول العبارة الوصفية أكثر من بعده، ولم تستغرق عهود الخلفاء الراشدين في جملتها سوى ثلاثين سنة، اثنتين لأبي بكر، وعشر سنين لعمر، واثنتي عشرة سنة لسيدنا عثمان بن عفان، وخمس سنوات بالكاد لسيدنا علي ابن أبي طالب.

وفي حديث للنبي (ص)، خبر حكم الثلاثين سنة من بعده، ووصف هذه الفترة بأنها «خلافة على منهاج النبوة»، لا يعود مثلها إلا في آخر الزمان، وتوافر أشراط الساعة، وظهور «المهدي» أو بالقرب منه. وفي حديث آخر للنبي (ص) يأتي ذكر ظهور إثنا عشر خليفة أو إماما بعد وفاة الرسول، وتأكيد على عبارة «وكلهم من قريش»، وقد اختلفت فيه التفسيرات، وإن مالت إلى إجماع على وضع الخلفاء الراشدين الأربعة في قائمة الاثني عشر، ومع ميل متواتر إلى وضع الخليفة الأموي العادل عمر بن عبد العزيز في القائمة الذهبية، ولم تجاوز فترة حكمه السنتين، مع إجراء تبديلات وتوفيقات اختيارية للمفسرين، مال جلها إلى اختيار خلفاء القائمة حصرا من زمن القرن الأول الهجري، ربما استهداء بقول النبي «خير القرون قرني»، وما من وصف حاسم عند المفسرين الكبار لما يأتي بعد القرن الأول الهجري، مع التسليم طبعا بفظائع ومآس طبعت القرن الأول نفسه، اللهم سوى الاستطراد في ذكر وصف النبي لتعاقب الأزمان، وقدوم «الحكم العضوض» بعد الخلافة الشورية الأولى، ثم توالي أزمنة «الحكم الجبري» إلى نهاية الدنيا، وقدوم «المهدي» ليملأ الأرض عدلا بعد الظلم المعمم. والفكرة «المهدوية» ـ بالمناسبة ـ موجودة في كل أديان السماء، وطبيعي أن ترد في تفكير المنتمين للإسلام بصفته الدين الخاتم الجامع.

وبعيدا عن التفسيرات والنبوءات، وصدقها مؤكد في حدود ما ورد قطعيا في دلالته على لسان النبي، بعيدا عن هذا كله، فقد كانت تجربة الخلافة الإسلامية محض عمل تاريخي، حالفه الصواب أحيانا، وخالطه الخطأ في أحيان زمنية أطول.

وباستثناء تجربة دولة المدينة، وهي حالة حكم وقضاء قادها نبي يوحى إليه، ولا يصح سحب حالة النبي المعصوم على حكم أخلافه، فلم يكن للخلفاء الراشدين وضع العصمة النبوية، ولا كانت الجنة قائمة على سطح الأرض. صحيح أن الخلفاء الأربعة من العشرة المبشرين بالجنة في الآخرة، لكن زمانهم خالطته شوائب الدنيا، خاصة مع اندفاع الفتوحات الإسلامية إلى أقصى مداها، وجلبها لعوائد أسطورية. وكان عهد عمر بن الخطاب هو الأزهى بامتياز، وإن راح الخليفة الأعدل نفسه ضحية القتل غيلة، تماما كما جرى اغتيال عثمان وعلي، في ما نجا سيدنا أبوبكر وحده من قدر الاغتيال، وأوصى بالخلافة لعمر من بعده، وبطريقة مختلفة عن تولية الخليفة الأول، فقد ولى أبوبكر بمشاورات «السقيفة»، وبكونه الصديق الذي رافق النبي في رحلة الهجرة من مكة إلى يثرب، وبكونه من سادة العصبة القرشية، وحين كان عمر ينتظر الموت من بعد طعنة المجوسي، اختار ستة من صحابة النبي، وعهد إليهم باختيار خلفه، واستقر الرأي على عثمان، وولى سيدنا علي من بعده.

وفي غمرة اضطراب وفتنة سادت بعد قتل الخليفة عثمان في بيته، ورفع معاوية بن أبى سفيان والي الشام لقميص عثمان، ومعاندته لخلافة الإمام علي، وبما اضطر الأخير لنقل عاصمة الدولة من المدينة المنورة إلى الكوفة، وتوالي حروب الأحقية في الخلافة، وصولا إلى تحكيم المصاحف في معركة «صفين»، وتمرد الخوارج على سيدنا علي، وإلى حد قتل الإمام، الذي كان النبي نفسه يضعه في أرفع مقام، ويقول عنه «أنا مدينة العلم وعلي بابها»، ولم يكن سيدنا علي يضع الخلاف على الحكم في مقام الخلاف الديني، وكان ـ كرم الله وجهه ـ يقول في غمرة الحروب «لقد التقينا، وربنا واحد، ونبينا واحد، ودعوتنا إلى الإسلام واحدة»، ثم كان ما كان من انتقال إلى وضع «الحكم العضوض»، وغلبة سيوف أنصار معاوية، وتنازل الحسن بن علي لمعاوية حقنا للدماء.

لكن الصراع تجدد مع حكم يزيد بن معاوية، وجرت مقتلة الإمام الحسين في كربلاء، ومجيء الشاب معاوية الثاني خلفا لأبيه يزيد، وصحوة ضميره إلى إعادة الشيء لأصله الشورى، ومقتله السريع بالسم على يد بني عمومته في «البيت المرواني»، وكان قد قتل الصحابي عبد الله بن الزبير الذي أعلن الخلافة من مكة، ثم جرت الدماء من بعد ذلك أنهارا، وصار الحكم لمن غلب في بقية عصور الدولة الأموية، ثم الدولة العباسية، وصولا إلى رحلة الدولة العثمانية الطويلة، وإلى أن انتهت قبل نحو قرن من الزمان، ولم يكن لسلاطين بني عثمان أن يسموا أنفسهم بالخلفاء، وكان يقال للواحد منهم «صاحب مقام الخليفة»، فهم بالبداهة ليسوا من أصول قرشية ولا عربية، وهي الصفة التي برر بها متناحرون أحقيتهم في خلافة مزعومة، إلى حد ظهور ثلاثة كيانات تدعي الخلافة في وقت واحد، كما جرى مثلا في تواقت وجود الخلافة العباسية في بغداد، والخلافة الفاطمية في مصر، والخلافة الأموية في الأندلس، وحين اجتاح العالم الإسلامي المغول والصليبيون، كان الخلفاء المزعومون في زمرة الضحايا والسبايا، وكانت المواجهة من نصيب مصر التي لم تكن أبدا دارا لخلافة جامعة.

والخلاصة لا تخفي، فقد اختلفت طرق تولية الخلفاء والسلاطين، ولم يكن من نظام محدد ولا شبه محدد للولاية، وإن كان في الأمر شورى على عهود الراشدين، وقد كانت جزئية على أى حال، لم ينتظم فيها معنى محددا لصياغة مفهوم «أهل الحل والعقد»، وكان الإجماع مجازيا، فالقاعدة أنه لا إجماع في غيبة النص الشرعي، وقد زالت الشورى الجزئية بعدها، وصار الحكم لمن غلب، وإن لم تتوقف فتاوى «الأحكام السلطانية»، وامتاز بعضها برشد نسبي، نقل الأمر كله إلى أولويات الدنيا، وعلى طريقة قول المعتزلة في تفضيل الحكم للأسوس لا للأفقه.

ولم يعد من معنى للجدال الديني في القصة كلها، فقد كنا بصدد حكم دنيوي لا حكما دينيا، تتسع أراضيه الإمبراطورية بحق الفتح وحق السيف، ويقيم حضارة زاهرة في بعض العهود العباسية بالذات، أو ينتهى إلى بوار عقلي وحضاري على طريقة نهايات الدولة العثمانية، ولم يكن المسلمون بدعا في ما جرى لهم وبهم، فقد أقاموا امبراطورية كغيرها من امبراطوريات العصور الوسطى، وجرى عليها ما جرى على غيرها، من مراحل توحد وازدهار، ثم تمزق وانكسار، كالامبراطورية الرومانية التى اعتنقت المسيحية، ثم انشقت في العرش والمذهب إلى امبراطورتين غربية وشرقية، وتوالي حروب القسطنطينية في مقابل روما، ثم غزو المسلمين على مراحل لأغلب نواحي الامبراطورية الشرقية، وبعد أن أخذوا أراضي الإمبراطورية الفارسية قبلها، ولم تكن مراحل ازدهار المسلمين وقفا على حكم ديني، بل كان الصعود مع الغنى البشري واتساع الموارد وانفتاح العقل والعلم والترجمات والإبداعات والابتكارات، وهكذا تكون الحضارات بزوغا وأفولا، وبدون أن يعني زوال دولة أو دول الخلافة، ضعفا أو تراجعا في دين الإسلام بالضرورة، ولا قصورا في الدعوة إلى الدين، فقد انتشر الإسلام إلى أربع جهات الأرض، وصار الدين الأكثر حيوية وأتباعا في عصرنا، وبدون أن يعني ذلك ازدهارا في حال المسلمين، اللهم إلا باستثناءات دول أخذت بأسباب النهوض الدنيوي، فيما ظل الجمود والتخلف مسيطرا منذ زمن خلافة عثمانية، كانت لا تملك في آخر أيامها اي قوة.

وليس معنى عدم وجود أي أساس ديني لدعوى دولة الخلافة، ولا دليل على أن طلب استعادتها واجب ديني، ليس معنى ذلك، أن نغض الطرف العقلي عن طبيعة الروابط الحضارية بين دول العالم الإسلامي في عصرنا، ولا أن نتوقف عن طلب التضامن الإسلامي، بشرط التفرقة بين المعنى القومي لأمة عربية يجب توحيدها، والمعنى الحضاري لأمة إسلامية يجب التضامن بين أممها القومية المتعددة، وقد سألوا حسن البنا مؤسس الإخوان مرة عن معنى الخلافة الإسلامية التى يطلبها، وكان جوابه ـ للمفارقة ـ أنها شيء كعصبة الأمم، التي كانت قائمة قبل منظمة الأمم المتحدة، بينما كان جواب المفكر الإسلامي الجزائري مالك بن نبي قريب الشبه، فقد كان يطالب بمنظمة «كومنولث إسلامي» يشبه الكومنولث البريطاني، بينما طالب جمال عبد الناصر ـ خصم الإخوان ـ ببرلمان جامع للعالم الإسلامي «يجتمع دوريا في موسم الحج» كما ذكر في كتاب «فلسفة الثورة»، وكل ذلك شيء مختلف بالطبع عن الخلافة المزعومة دينيا في خطاب جماعات الإسلام السياسي، وعن خلافة الخرافة على طريقة «داعش» وأخواتها، وعن ألقاب الخلافة وإمارة المؤمنين التي تطلق نفاقا على ملوك ورؤساء تعرفونهم بالاسم والرسم.


0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر