الراصد القديم

2018/07/01

إيران تستدير للشرق ..هل تسعى طهران لتشكيل أفغانستان جديدة موالية لها ؟



 
هبه المنسي

نسق الخطوط المتوازية والظلال الرمادية سمة غالبة بالسياسة الخارجية للملالي , وعلى مدار ثلاثة عقود عملت إيران على خلق حواضن وجيوب لها تتفاوت في قوتها وأدواتها من دولة لأخرى ,إذ تعمد فى بعض الأحيان إلى استخدام أسلوب التسرب الناعم وتارة أخرى تلجأ للعنف والقوة الخشنة وما بين النهجين تعمل بلا توقف على نشر نفوذها . فعلى مدار ال15 عاماً الماضية بدأ قادة طهران مناورة ترمى من خلالها إلى خلق وهندسة أفغانستان جديدة موالية لها .

استدارة الملالي نحو الشرق لتشكيل أفغانستان جديدة بنكهة إيرانية ربما يمثل المقاتلون الأفغان اللذين حاربوا لدعم بشار الأسد فى سوريا نواتها الأولى , فظاهرة المقاتلين الأفغان الشيعة تتطلب الإمعان والتدقيق فى تبعاتها وآثارها المرتقبة ليس على مستقبل سوريا وما قد تمثله من خطر عليه بل في إطار تطلعات إيران وطموحاتها الإقليمية.فقد استفادت إيران من تدريب وتجهيز هذه العناصر خلال سنوات الحرب السورية السبعة , بما يعنى أن بإمكان طهران استثمارها مجدداً فى ظل فراغ الساحة الناتج عن الانسحاب الأمريكي , عبر إعادة توجهيها نحو الشرق والدفع بها نحو الداخل الأفغانى بشكل يوطد نفوذها داخل الأوساط الشيعية هناك .

جحافل المجندين الأفغان كانوا في الأصل لاجئين في إيران والتي تضم نحو ثلاثة ملايين أفغاني لاسيما فى مجتمع الهزارة الشيعي حيث فر إليها نحو مليونين عقب الغزو السوفيتي واستوطنها نحو مليون شخص إبان سقوط طالبان في عام 2001 وقد عمد الحرس الثوري إلى استغلال تدنى الظروف المعيشية وانتشار الفقر بين صفوف هؤلاء اللاجئين وقام بافتتاح مكاتب ومقرات لتجنيدهم وإرسالهم للقتال في سوريا بأسعار وأجور زهيدة .المغريات الإيرانية لاستقطاب المقاتلين الأفغان شملت أيضاً منحهم الإقامة الدائمة والسماح لأطفالهم بالدخول في المدارس الحكومية، فضلًا عن دفع راتب شهري لكل مقاتل يتراوح بين 800 إلى 1000 دولار .

وقد قاتل المئات منهم ,بداية الأمر , ضمن لواء أبى الفضل العباس ولكنهم سرعان ما شكلوا ميلشيات خاصة بهم من أبرزها لواء الفاطميون والذي يضم قرابة 120 ألف أفغاني ولواء خدام العقلية وكلاهما ينضويان تحت مظلة ما يعرف باسم حزب الله أفغانستان . وعلى الرغم من النفي المستمر من جانب “لواء الفاطميين” والحكومة الإيرانية لوجود ارتباط مباشر بينهما وعدم بروز مسمى “حزب الله أفغانستان” بشكل رسمي ، غير أن المراقبين يمكنهم ملاحظة حالة الاقتران من خلال المواكب الجنائزية والتي حضرها بانتظام عناصر من الحرس الثوري ,كما أن الحزب نجح فى صياغة هويته الرمزية وإعلان وجوده عبر شبكات التواصل الاجتماعي المرتبطة بـ “فيلق الحرس الثوري ” على الإنترنت.

التسرب الإيراني فى العمق الأفغاني غذته عدة روافد , فمع إعلان واشنطن عن سحب قواتها حاولت طهران استغلال فراغ الساحة واستعراض عضلاتها بشكل يضمن عدم وصول أى حكومة من شأنها تهديد مصالح الجمهورية الإسلامية ويتيح لها الاستئثار بغنائم الحرب بعد فض الاشتباك , فكما استثمرت من قبل الانسحاب الأمريكي من العراق وتمكنت من تكريس وجودها في المعادلة العراقية عملت بدأب على صياغة واقع ومشابه داخل الجارة الشرقية حيث ينظر النظام الإيراني إلى بغداد وكابول باعتبارهما دولاً هشة تمثل تهديدا لأمن الملالي.

وبالرغم من تغير مخططات الإدارة الأمريكية فى عهد ترامب والذي ألزم الولايات المتحدة بصراع مفتوح في أفغانستان متراجعا عن تعهداته الانتخابية ومشيرا إلى أنه سيرسل قوات إلى أطول حرب تخوضها بلاده وإلى أن قواته “ستقاتل لتنتصر” غير أن ذلك لم يغير من استراتيجيات طهران التي تطلعت حسب مراقبين إلى أن تتقاطع مصالحها مع روسيا على رقعة جديدة وهى الساحة الأفغانية لاسيما بعد نجاحهما من قبل في إدارة النزاع في سوريا

التكهنات بأن ساحات كابول تتأهب كي تحل محل دمشق كمسرح للتعاون بين روسيا وإيران وباكستان من جهة والتنافس الجيوسياسيى مع الولايات المتحدة وحلف الناتو من جهة أخرى تؤكدها سعى موسكو وطهران لتعزيز صلاتهما مع طالبان حيث اعترفتا من قبل أنهما عقدتا اجتماعات مع قادة طالبان ولكنهما بررتا ذلك بأن الهدف من تلك اللقاءات كان تبادل المعلومات لكن من الواضح أن الهدف الرئيس للروس هو ممارسة الضغط على الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا وعرقلة مشاريع هؤلاء المستقبلية في أفغانستان.,كما تعكس الاتهامات المتبادلة بين أطراف المرحلة الجديدة إلى عودة كابول لاحتلال صدارة الصراع حيث يدعى كل طرف أن الآخر يدعم حركة طالبان أو تنظيم داعش لإيجاد موطئ قدم دائم له ولتعظيم دائرة نفوذه في الداخل .وجددت إيران على لسان مرشدها على خامنئي هجومها على الوجود الأمريكي في أفغانستان قائلا إن واشنطن تنقل إرهابي داعش إليها لتبرير استمرار تواجدها هناك.

وفي المقابل، اتهم زعيم الحزب الإسلامي الأفغاني، قلب الدين حكمتيار، إيران بأنها تعمل على نقل مقاتلي داعش عبر أراضيها إلى أفغانستان، بهدف تكرار لعبتها في العراق وسوريا، حين أرسلت مليشياتها للتوغل في البلدين تحت غطاء مكافحة الإرهاب. كما اتهم إيران بأنها تتحالف مع باكستان والصين في جبهة جديدة لتعزيز نفوذهم في أفغانستان على حساب واشنطن.

خارطة النفوذ الإيراني في أفغانستان تبرز فاعلية الأدوات التي استخدمتها طهران لبسط أذرعها إذ تتمم كل من وزارة الخارجية الإيرانية وقوات الحرس الثوري زوايا تحرك الملالي ,فبينما تلعب الأولى دورا على الصعيد الدبلوماسي يسمح بتعزيز النفوذ الاقتصادي والثقافي , تمارس الثانية هوايتها في اختراق الأبواب الخلفية والعمل عبر تنظيمات سرية .

التحركات المشبوهة والقنوات السرية للحرس الثوري تتكشف من خلال قيام إيران باختراق دوائر الشرطة والحكومة وتجنيد الجواسيس ناهيك عن إرسال فرق اغتيالات لاسيما في الغرب الأفغاني وبلغ الأمر حد تجنيد المترجم الخاص للجنرال البريطاني السير ديفيد ريتشارد كبير قادة الناتو في أفغانستان حيث تم اكتشافه بعد ضبط رسائله المشفرة إلى الملحق العسكري الإيراني في كابل عام 2006.

محاولات الاختراق من وراء الكواليس تبرز كذلك عبر مد يد العون لحركة طالبان , فبالرغم من التباين الأيدلوجي والمذهبي وتعاون طهران الكامل مع الولايات المتحدة بهدف الإطاحة بنظام طالبان بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 وفقا لتصريحات المبعوث والمفاوض الأمريكي جيمس دوبينز , غير أن تزايد النفوذ الأمريكي في أفغانستان أو الدول المجاورة لها في الشمال والمطلة على بحر قزوين، جعلها تشعر بالتطويق المباشر وبالتهديد لمصادر ثرواتها في بحر قزوين، ومن هنا بلورت إيران استراتيجيه جديدة وتحولت إلى حليف لأقوى أعدائها .وتمثل الدعم لحركة طالبان في التدريب والتمويل والتسليح لمقاتليها وتعزيز صفوفها بمجندين من اللاجئين الأفغان إليها ، فضلاً عن توفير ملاذات آمنة لقادتها.

اغتيال الملا منصور فضح حلقة اتصال هامة بين إيران وحركة طالبان وجعل ما يدور خلف الكواليس يتردد على رؤوس الأشهاد وذلك عندما قصفت ” درون” أميركية في مايو 2016 سيارة أجرة غربي باكستان كان يستقلها قائد طالبان عائداً من رحلة إلى إيران التقى خلالها مسئولين أمنيين هناك .وبالرغم من اكتفاء المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيراني، حينذاك بالتعليق على الأمر بالقول “مثل هذا الشخص لم يعبر من الحدود الإيرانية في هكذا تاريخ” غير أن موقع “الدبلوماسية الإيرانية” المقرب من وزارة الخارجية،كان قد سبق وكشف أن وفداً من حركة طالبان الأفغاني برئاسة ملا أختر منصور زار إيران في شهر حزيران 2015، والتقى مع عدد من المسئولين الإيرانيين، من بينهم وزير الخارجية، محمد جواد ظريف. وأفاد الموقع أن الحكومة الإيرانية رحبت بطلب حركة طالبان لفتح مكتب تمثيلي لها في طهران، وأن الحركة خلال زيارتها قدمت طلباً لإنشاء مكتب رسمي لها في العاصمة الإيرانية

وثائق أبوت آباد نقشت بالأحرف الأولى ملامح العلاقة بين طالبان والملالى حيث كشفت الدفعة الثانية منها والتي تم رفع السرية عنها في 20 مايو سنة 2015، أن لجوء عناصر «القاعدة» إلى إيران كان على فوجين: أولهما (حسب الرسالة) كان بعد سقوط إمارة طالبان سنة 2001، والتوافد الثاني كان بأوامر من الملا عمر بعد عيد الأضحى سنة 1422 هجرية، ونهاية رمضان سنة 1423 الموافق 31 ديسمبر (كانون الأول) سنة 2001. لكن الأخطر في الوثائق الجديدة التي صدرت عن إدارة ترامب في الأول من نوفمبر وكشفت بوضوح الموقف عند أسامة بن لادن، من أن إيران ليست عدواً بل هي حليف يؤمن زعيم «القاعدة» بإمكانية، بل ضرورة، التحالف معه في مواجهة العدو المشترك (الولايات المتحدة والغرب والأنظمة الحاكمة في العالم العربي)، واحتوت الوثائق الجديدة على رسالته لخامنئي وعلى تاريخ قديم للعلاقة يمتد لسنة 1991 تؤكد ما ذُكِر في تحقيقات 11 سبتمبر، عرضت فيها إيران المساعدة والدعم لعناصر جماعته، كما تشير لترحيب إيران بالفارين من أفغانستان وباكستان بعد 11 سبتمبر على أراضيها، واعتبارهم أبطالاً سعَوْا للموت لأميركا، كما يتمنى نظام الثورة الإيرانية وغير ذلك كثير.

الشحنة الموجهة للقلب الأفغاني على الصعيد الدبلوماسي أثمرت وفقا لتقرير مؤسسة راند إلى مليارات الدولارات الإيرانية في التجارة مع أفغانستان والمعونة لها، على الرغم من أن الميزان التجاري غير متوازن إلى حد كبير لصالح الصادرات الإيرانية، ويرجع ذلك في الغالب إلى القاعدة الصناعية السابقة المتخلفة. كما واصلت طهران وكابول التعاون الاقتصادي المكثف، وخاصة في ميناء تشابهار على ساحل بحر العرب الإيراني. ففي مايو (أيار) 2016، وقع الرئيس الإيراني حسن روحاني اتفاقية مع الرئيس الأفغاني أشرف غاني ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لتطوير الميناء، بقيمة 31 مليار دولار.بالنسبة لإيران، يعد ميناء تشابهار ذات أهمية كبرى لتنشيط منافذ أخرى بالبلاد غير ميناء بندر عباس، الذي يستحوذ حاليًّا 85% من حركة النقل البحري.

القوة الملساء والحريرية لدعم النفوذ الإيراني تتضح أيضاً من خلال مؤسسة الإمام الخميني والتي توظف ما يقرب من الثلاثين ألف شخص في أفغانستان، وتقدم المؤسسة كذلك دعماً مادياً للمواطنين الأفغان كسُلف لبناء المنازل، بالإضافة إلى الدورات التعليمية. وتقوم المؤسسة بنشر الأفكار الخمينية عبر بناء المكتبات العامة والمدارس وتقديم الخدمات الصحية للمواطنين الأفغان حيث لفتت التقارير إلى أن إيران قدمت حوالي 500 مليون دولار لعدد من مشاريع إعادة الإعمار في أفغانستان. كما تعمل طهران على توجيه العديد من الصحف والمجلات من خلال سيطرتها على نحو 85 قناة تليفزيونية من أصل 171 محطة عاملة هناك .بصفة عامة تعد العلاقات الإيرانية الأفغانية على الصعيد الحكومي جيدة، وتوطدت هذه العلاقات بعدما أصبح كريم خليلي (زعيم حزب الوحدة الإسلامي الشيعي والممثل لأقلية الهزارا) نائبًا للرئيس الأفغاني.

لاشك أن مبتغى طهران من تنفيذ استراتيجيه ثنائية الأبعاد ومتعددة المسارات في كابول يعود بالمقام الأول إلى رغبتها بتأمين مصالحها هناك نظراً لكونها ساحة للصراع على النفوذ في منطقة آسيا الوسطى. كما أن حرصها على بقاء طالبان هو وسيلة لإنهاك الولايات المتحدة واستنزاف الحركة بذات الوقت بشكل يمكنها من صياغة أفغانستان جديدة بنكهة إيرانية وربما شيعية أيضاً

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر