الراصد القديم

2018/07/01

الليطاني ... مجرى الموت


1- الأهالي يغتالهم السرطان بصمت!

قرار إدارة التفتيش هذا ليس هو الحدث، فالمشكلة الحقيقية هي في غياب الدولة، وتقاعس كل من الوزارات والجهات المعنية عن “سرطان الليطاني”. فمع مئات الإصابات بالأمراض السرطانية في الآونة الأخيرة، إلا انّ التحرك الرسمي لمعالجتها كان خجولاً، إذ انتهت صلاحيته سريعاً مع انتهاء موجة الضجيج الإعلامي وما رافقها من احتجاجات من قبل المواطنين.

ويشار إلى أنّ أعلى نسبة فضلات عضوية يحتويها الليطاني مصدرها مدينة زحلة والجوار، وتتوزع على الشكل التالي:

13 مؤسسة صناعية و52 معمل ألبان وكونسروة (مخلفات ونفايات صناعية)، 8 مستشفيات (نفايات طبية)، 6 مسالخ و4 مطاعم (نفايات وبقايا لحوم).

واقع التسمم الذي يتكبده الليطاني ممّا ترميه مصانع ومؤسسات ومستشفيات زحلة في مصبه بالدرجة الأولى، دفع أبناء بر الياس في شهر حزيران من العام 2017 إلى إطلاق حراك “ما بدي الليطاني يقتلني”، ليعمدوا بالتالي إلى ردم النهر عند محطة تكرير المياه المبتذلة لمدينة زحلة وذلك بعدما سقطت كل المواعيد التي ضربت سابقاً بتشغيل المحطة.

هذا التحرك التصعيدي من قبل المتضررين تمّ تعليقه بعدما وعد الرئيس سعد الحريري الأهالي بتشغيل محطة التكرير وإجبار المعامل على تشغيل “الفيلتر”، غير أنّه وبعد ما يقارب العام ما زالت منطقة بر الياس بانتظار أن تتحول الأقوال إلى أفعال و”عالوعد يا كمون”!

وكان النائب السابق اسماعيل سكرية وهو طبيب متخصص في امراض الجهاز الهضمي، قد أكّد في حديث سابق لموقع “جنوبية” أنّ نسبة الإصابة بمرض السرطان قد ارتفعت إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف على امتداد البلدات الواقعة على ضفتي النهر. ليوضح بالتالي أنّ “الإصابات هي بالدرجة الأولى بسرطان المعدة ومن ثم يأتي بعدها سرطان القولون والمثانة”.

سكرية الذي أجرى مؤخراً دراسة بالاتفاق مع الجامعة الاميركية والجامعة اللبنانية والهيئة الوطنية الصحية حول علاقة تلوث نهر الليطاني بحالات السرطان المتزايدة، أشار لموقعنا إلى أنّ “المواد الكيمائية التي تُرمى في النهر، سواء أكانت نفايات المستشفيات والمصانع (مصانع المخللات والمواد البلاستيكية)، أو مادة “النترات” التي تستعمل كمبيد زراعي، هي المسبب الاول لأمراض السرطان”.
وبالعودة إلى قرار التفتيش التربوي، والذي هو “ناقوس خطر”، فما محاولة “التفتيش” حماية الطلاب إلا دلالة جدية على الخطر الصحي الذي يغتال يومياً العائلات المتواجدة في محيط نهر الليطاني.

على الصعيد التربوي، يوجد 8 مدارس رسمية وخاصة على طرف نهر الليطاني، ويبلغ العدد التقريبي للطلاب في هذه المدارس التي يُعلّم بضعها بدوامين “قبل الظهر وبعد الظهر” أكثر من 4000، وكان قد سجلّ في صيف العام 2017 وفاة إحدى الطالبات بالسرطان.

المصادر نفسها تتوقف عند قرار التفتيش المركزي متساءلة “التفتيش كلّ ما أراده هو حماية الطلاب لأربعة أيام، ولكن ماذا عن الطلاب الذين يتعلمون طيلة 9 شهور في هذه المدارس؟ فيما الروائح الكريهة المنبعثة من الليطاني تختنق بها الصفوف والملاعب”.
تتابع المصادر “المسألة ليست فقط مياه المجارير، وإنّما هي في الدرجة الأولى مياه المصانع ومياه الصرف الصحي التي تبدأ من منبع الليطاني وتستمر حتى المصب”.

تلفت المصادر إلى أنّ بلدتي بر الياس والمرج هما الأكثر تضرراً من هذا الواقع لكونهما الأدنى مستوى عن سطح البحر، وفيما يتعلق بالتحركات التي قاموا بها تقول:”قمنا بالعديد من التحركات في العام الماضي، منها صرخة طفل، إضافة إلى التظاهرات الدائمة، غير أنّ الدولة لا تبالي، ولا تعمل على متابعة الملفات الأساسية المتعلقة بأزمة الليطاني مع الوزارات المختصة”.

وتشير المصادر نفسها إلى أنّ “الرئيس سعد الحريري كان قد وعد بمواكبة هذا الملف شخصياً، غير أنّ محطة التكرير والفيلترات ما زالت لا تعمل بالنسبة المطلوبة، لاسيما وأنّ أصحاب المعامل التي تسبب بهذا الكم من التلوث هم من النافذين مما يؤدي إلى عدم امتثالهم لقرارات الدولة”.

لتختم المصادر بالقول “اليوم لا نرفع صوتنا اعتراضاً على قرار التفتيش المركزي، على العكس إننا نرفع الصوت لأننا نريد من هذا القرار أن يكون بادرة لحل أزمة الليطاني حتى لا يظلّ السرطان يفتك بنا”.
2- دول عربية تمتنع عن استيراد المزروعات اللبنانية

أزمة الليطاني، ليست فقط أزمة صحية إضافة إلى أنّ هناك جهات أخرى مسؤولة عن التلوث لم يتم تسليط الضوء عليها أو تحميلها المسؤولية حتى هذه اللحظة.

تؤكد بعض العائلات في منطقة بر الياس لـ”جنوبية” أنّ الواقع المعيشي في البلدة، بات في خطورته كما الواقع الصحي، فيقول أحد المتضررين لموقعنا أنّ بعض الدول العربية قد توقفت عن استيراد “البطاطا” البقاعية، وأنّ هناك امتناعا خليجيا عن استيراد المنتوجات اللبنانية التي يتم ريّها من هذا النهر الذي تحوّل إلى مجرى “ملوث”.

وأكّد مدير مدرسة برالياس الابتدائية الأستاذ إحسان عراجي، عراجي الذي أنّ بلدة برالياس متضررة سواء على مستوى الطلاب أو على مستوى الأهالي والمعيشة، تابع مضيفاً “هذا النهر يسبب ضرراً لجميع القرى الواقعة على ضفافه وليس فقط بر الياس والمرج، فكل ما هو واقع منذ المنبع وحتى المصب يصيبه الضرر من الليطاني، فالأبحاث العلمية أثبتت جميعها أن هذا النهر موبوء والمواد التي تجري في مياهه هي مواد سامة”. 

وأوضح عراجي أنّ وزارة التربية واستجابة لتقرير إدارة التفتيش قد عمدت إلى إلغاء مركزين للامتحانات واستبدالهما بمراكز أخرى أكثر ملائمة من حيث المناخ للطلبة، ليشير بالتالي “الضرر لم يقع على هذه المدارس اليوم، وإنّما هو واقع منذ 20 عاماً، ومشكلتنا الأساسية هي المعامل التي تصب وبشكل مباشر مواد الفرز جميعها داخل الليطاني، دون تشغيل محطات التكرير”.
وفيما يتعلق بمبادرة الرئيس سعد الحريري في العام الماضي، لفت عراجي إلى أنّهم قد توصلوا والرئيس الحريري منذ عام ونصف إلى فتح محطة للتكرير وذلك بعد التحركات التي قاموا بها، إلا أنّ المحطة وحدها – بحسب عراجي- لا تكفي لكونها محصورة فقط بالصرف الصحي لمدينة زحلة والقرى المجاورة، فيما المعامل ما زالت تصب في النهر.
ليكشف في السياق نفسه “الرئيس الحريري اجتمع في حينها مع أصحاب المعامل التي يقارب عددها المئة معمل، ومنحهم مهلة 15 يوماً لتشغيل محطات التكرير تحت طائلة اتخاذ إجراءات بحقهم أو بالإغلاق أو بالتغريم، إلا أنّ المهلة قد انتهت ولم يتم بعدها المتابعة، فما زلنا نعاني حتى اليوم من المعامل الصناعية التي تسبب بقاياه التلوث للنهر”.

وبينما يشير عراجي إلى أنّ “كل الخطط التي وضعتها الدولة ووضعها النواب لإنشاء محطات التكرير، لم ينفذ منها سوى محطتين أو ثلاثة، فيما بقي ما يقارب الـ22 محطة في حدود الحبر الورقي وما من أفق واضح لتمويل هذه المحطات”. لا ينفي بالتالي مسؤولية البلديات إذ يقول “من أسباب التلوث أيضاً الصرف الصحي للبلديات والذي يصب جميعه في نهر الليطاني، وبلدية برالياس من جهتها تشارك في تسميم هذا النهر”. 

هذا ويشدد عراجي أنّه لم يتم معالجة أيّ من الأسباب المذكورة والتي تسبب جميعها تسمم مياه الليطاني، متوقفاً عند ارتفاع نسب الإصابة في السرطان لاسيما عند الطريق المحاذية للنهر فقد سجلّ مؤخراً أكثر من 15 إصابة بينها إصابتين في بيت واحد.
وفيما يُحيل الأستاذ المدرسي الأمراض السرطانية للمياه المسرطنة وللمزروعات التي يتم ريّها بهذه المياه أيضاً، يلفت بالتالي إلى أنّ الأردن لم تستورد منهم البطاطا هذا العام بعدما وصلتها الأنباء عن أزمة الليطاني، مما أدّى إلى إلحاق الضرر بالعديد من تجار بر الياس. 

وفي الختام يحمل الأستاذ احسان عراجي المسؤولية للوزارات كافة، الزراعة والاقتصاد والبيئة والصحة، إضافة إلى وزارة المالية، إذ أوضح أنّ “المعامل لا تشغل محطات التكرير بسبب ارتفاع الكلفة، وارتفاع الضرائب مما يحملها أعباء تفرض عليها أو الاقفال أو التهرب من الالتزام، ولو عملت الوزارة على تخفيض الضرائب مقابل تشغيل المحطات لكانت المعامل جميعها التزمت”.

3- الحلول برسم الهدر لا طائل منها!

أزمة الليطاني، التي تحوّلت إلى مشكلة شديدة الخطورة، دفعت أحد مواطني منطقة بر الياس المحاذية للنهر للتعليق على هذا الواقع بالقول: “بعدما باءت كل أحلام المحتل الصهيوني بالسيطرة على مياه الليطاني بالفشل، استطاعت السلطة اللبنانية وفي زمن السلم تحويل هذا النهر إلى مكب سام”.

ما قاله المواطن، يردده الجيل السابق بأغلبه، فحينما كان لبنان تحت االاحتلال كان الليطاني صالحاً للشرب وللري، فيما بعد التحرير أخذت النفايات السامة ومجارير القرى تأخذ طريقها إليه، فلم يعد صالحاً لا للشرب ولا للري ولا حتى للسباحة، فحتى لونه الذي تحوّل في إحدى المراحل إلى الأسود بات خير مؤشر على طبيعة النفايات التي تحللت في مياهه.

في المقابل تحوّلت بحيرة القرعون من جانبها إلى خزان ضخم للتلوث ونشر الجراثيم في البقاع الغربي ، وكان قد بلغ التلوث في هذه البحيرة الصناعية التي أنشئت في العام 1959 عند سد القرعون (نهر الليطاني) ذروته في العام 2017 حيث تحوّل لون المياه في البحيرة إلى الأخضر وذلك بعدما تجاوزت نسبة السموم فيها 400 ضعف الحد المسموح به، ليترافق ذلك مع ظهور الطحالب الزرقاء من نوع « aphanizomenon ovalusporum» والتي تفرز مواداً سامة تقضي على الكائنات الحية.

وبالعودة إلى المصادر التي تسبب تلوث نهر الليطاني الأوسط والأعلى، فإنّها وبحسب التقرير الصادر عن وزارة البيئة في العام 2016 تتوزع على الشكل الآتي:

أسباب تلوث حوض الليطاني الأوسط والأعلى (وزارة البيئة 2016)


هذا الواقع “الأسود”لـ “الليطاني” والذي حوّله من مصدر رّي للمزروعات إلى مجرى لـ”نهر الموت”، يجعل المواطن اللبناني يتساءل عن تفاصيل الحلول الممكنة وإن كانت واقعية، لاسيما وأنّ الخطة الي وضعتها الحكومة اللبنانية لتنظيف هذا النهر، تكلّف 800 مليون دولار، وهذا ما يعد مبلغاً خيالياً!

في سياق أخر، تطرح هذه الخطة المعدّة للنهر تساؤلات حول ضلوع الثنائي الشيعي فيها، ونقصد هنا بالدرجة الأولى حركة أمل وحالياً حزب الله؟

فهل يعود الليطاني نهراً “صحياً” ويستعيد عافيته بعد عملية التنظيف؟ أم في الخطة الموضوعة صفقة ما؟

العالِم الهيدروجيولوجي سمير زعاطيطي الذي كان سبق وأعلن أنّ “الليطاني مات”، أوضح في حديث لموقع “جنوبية” أنّه ما من مؤهلين يتابعون ملف “الليطاني” مع الجهات المعنية سياسياً. ولفت زعاطيطي إلى أنّه كان تلقى دعوة من النائب الدكتور علي فياض لعقد جلسة نقاش حول الليطاني، كان محورها المشروع المطروح لتنظيف النهر من النبع إلى المصب والذي سيكلف بحسب ما صرّح فياض لحاضريه 110 مليار ليرة لبنانية،إضافة لكونه قد حاز على مواقفة الرئيس سعد الحريري.

زعاطيطي الذي استنتج من حلقة النقاش هذه أنّه ما من اختصاصيين وما من خبراء مستقلين يتابعون هذا المشروع، أشار بالتالي إلى أنّه قد تمت دعوته من قبل الثنائي لجلستين الأولى انسحب منها سريعاً بعدما لم يمنح المجال للحديث العلمي في ملف الثاني، فيما اشترط قبل توجهه إلى الجلسة الثانية التي حضرها وزير البيئة طارق الخطيب، وقبل تلبيته الدعوة أن يتاح له المجال لطرح رؤيته العلمية.

في هذه الجلسة عرض الدكتور زعاطيطي على الحضور صوراً ملتقطة للنهر من الأقمار الصناعية، وتكشف هذه الصور أنّ المياه التي تبدأ من بحيرة القرعون وتتجه صعوداً، لا يمكن لها أن تنزل بشكل عامودي بسبب الطبقات الصخرية، مما يعني أنّ التلوث ينتشر أفقياً على السطح وهذا من الممكن معالجته، فيما الكارثة هي في جنوبي القرعون حيث الصخور كلسية متشققة، وهناك خطور في تسرب المياه الملوثة وضرب جميع الآبار التي يتم حفرها في الجنوب وعددها يقارب الـ200..

يوضح زعاطيطي أنّ الوضع في الليطاني مأساوي، وأن المبلغ المخصص له هو بمثابة الهدر، منتقداً هنا، آلية العمل في هذا الملف والتي تتم دون أي خطة عملية إذ تمّ البدء من قبل إحدى الشركات التابعة لجهة حزبية جنوبية بإقامة جدران داعمة للنهر الملوث!

وفيما يطرح الدكتور مشاريع بديلة يمكن استثمارها بمبغ الـ110 مليار ليرة، يتوقف عند الضجة البيئية التي أحدثها نهر الليطاني مؤخراً، كاشفاً تواصل حزب الله معه في هذه المسألة وسؤاله عن الحل، ليكون جوابه الواضح والصريح أنّ الليطاني لم يعد ينفع، وأنّ هناك مشروعين بديلين، الأول هو “مشروع للبقاع”، ويرتبط بالأراضي الزراعية التي أصبحت غطشة بعد أزمة الليطاني. ويقوم هذا المشروع على حفر آبار مياه جوفية تمنح الأراضي الزراعية بديلاً عن المياه الملوثة.

أما المشروع الثاني الذي طرحه زعاطيطي على الحزب، فهو مشروع لـ “بيروت الكبرى” إذ يوجد بحسب العالِم الهيدروجيولوجيبالقرب من بيروت الكثير من الصخور المليئة بالمياه الجوفية. لافتاً هنا إلى أنّ هذا المشروع قد تمّ طرحه منذ سنوات دون أن يهتم فيه أي أحد على الرغم من أنه لا يكلف أكثر من مليون دولار.

زعاطيطي الذي يؤكد أنّ الليطاني “مات”، حيث أنّه فقد هدفيه الأساسيين الري وتوليد الكهرباء، إضافة لكون السموم الموجودة في مياهه هي من الدرجة الثالثة وما من علاج لها. يشير في السياق نفسه إلى أنّ الحل هو أن يعمل لبنان كما عملت كل من أميركا وأوروبا، فيعمد إلى إطلاق سراح الليطاني بفتح السد وتنظيفه جيداً و للمرة الأخيرة.

ويضيف زعاطيطي أنّ “الننظيف يجب أن يشمل أيضاً قعر البحيرة من الرسوبيات الصخرية الملأى بالسموم، وعزل السموم المتحجرة تماماً عن الماء وإبعادها عن النبات والبشر”.

ورأى الدكتور المتخصص في الطبيعة الجيولوجي أنّه “من المهم أخذ إجراءات صارمة وإنشاء جهاز مراقبة على مدار الساعة لإلزام الجميع بعدم رمي النفايات والمياه المبتذلة والمجاربر والمياه الناتجة من الصناعة والدباغات قبل معالجتها محليا ومراقبة إستعمال المبيدات الزراعية والأسمدة الخ”.

العالِم الهيدروجيولوجي سمير زعاطيطي الذي عرض هذه الخطة ليصبح النهر شريان حياة للبقاع ولبنان وليس ناقلاً للأمراض القاتلة وملوث لسطح الأرض وجوفها، تساءل في الختام “لماذا سندفع 110 مليار ليرة على سد ميت، ومن قتل الليطاني في الأساس؟ أليسوا هم من قتلوه، فالجماعة المتذللين من أصحاب المصانع الكبيرة، والذين ينعمون بغطاء سلطوي، هم الذين يرمون نفاياتهم في النهر وليس الفلاح الفقير”.

4- المياه المسرطنة تفتك بأهالي جب جنين وكامد اللوز

لا يعني أيّ من المسؤولين اللبنانيين هذا الواقع المؤسف الذي وصلت إليه البيئة المجاورة لليطاني والتي تحوّلت بكل ما للكلمة من معنى إلى بؤرة للموت الأسود، فها هم الأهالي هناك “عراة” صحياً، متروكون لمصير مسرطن يسرق حياتهم وأمنهم الصحي وذلك جراء الأورام الخبيثة التي تتشكل في أجسادهم جراء البيئة السامة المحيطة!

وفيما كانت العدسات الإعلامية مصوّبة مؤخراً نحو بلدة بر الياس البقاعية، جراء ارتفاع عدد الإصابات بمرض السرطان بين أهاليها، ها هما بلدتي جب جنين وكامد اللوز، ترفعان صوتهما وتقولان “كفى بالموت يفتك بنا”!

بألم وخوف من المستقبل الأسود القريب، كتب أيمن قدورة على صفحته الخاصة فيسبوك:

“فخامة رئيس الجمهورية، دولة الرئيس بري، دولة الرئيس الحريري.. نحن أبناء البقاع الغربي نناشدكم ونستغيث بكم ونطالبكم ان تعلنوا البقاع الغربي منطقة موبوءة نحن كل يوم ندفن حبيباً وعزيزاً من التلوث في الليطاني ومن المكبات العشوائية والمزابل التي تحترق نحن نتوسل إليكم ان تعلنوا حالة الطوارىء والا سننتفض وسنثور عليكم وسندعوا للعصيان”.

ما كتبه قدورة لا يدخل ضمن باب الاستعراض أو الاحتجاج، فكلماته ما هي إلاّ صرخة ابن ما زال يتقبل التعازي بوالده الذي توفى جراء السرطان “العدائي” الناتج عن موبوءات الليطاني.

والد قدورة الحاج ابراهيم ليس هو الوحيد ضحية سرطان الليطاني، فجاره صلاح الحاج عبدالله الذي توفي أمس أيضاً هو ضحية للسبب نفسه أيضاً، إلى ذلك يلفت قدورة لـ”جنوبية”، إلى أنّ والده وجاره هما إلاّ جزء من مجموعة ضحايا، إذ سجّل – بحسب ابن البقاع – 10 إصابات بمرض السرطان في بلدتي جب جنين وكامد اللوز خلال هذا العام، كذلك هناك حالياً إصابتان لا يتوقع صمودهما أكثر من أسبوعين بسبب تدهور الحالة، يضاف إلى ذلك إصابة شخصين جديدين بالسرطان في كامد اللوز!

وفيما يعيد قدورة سبب هذه الأزمة إلى التلوث الناجم عن حوض الليطاني وبحيرة القرعون والمكبات العشوائية والمزابل التي يتم حرقها عشوائي، يناشد بالتالي إثارة هذا الموضوع بشكل جدّي وفعال لأنّ الواقع لم يعد يحتمل!

رئيس الهيئة الوطنية الصحية النائب السابق الدكتور اسماعيل سكرية أشار من جهته في حديث لـ”جنوبية” إلى أنّ هذا الواقع المخيف لحوض الليطاني بات ثابتاً ومؤكداً، ليوضح أنّ جزءا من الدراسة التي أعدوها والتي قد تركزت على محيط القرعون كشفت أنّ الكم الهائل من التلوث بشتى أشكاله الكميائية والمواد المرسطنة والمواد المعدنية، رفع نسبة الإصابة بالسرطانات في حوض الليطاني.

وأضاف سكرية “مع اختلاف نسبة الإصابة بالأمراض السرطانية بين قرية وأخرى في محيط حوض الليطاني، إلا أنّ هذه النسبة هي أضعاف النسبة الوطنية في لبنان”.

هذا وأكّد الدكتور المتخصص في امراض الجهاز الهضمي والمتابع منذ سنوات عديدة لملف الليطاني، المعلومات التي وصلت لموقعنا عن “السرطان العدائي – الهجومي” وارتفاع الإصابة فيه بشكل ملحوظ في القرى المجاورة لليطاني، لافتاً إلى أنّ معظم السرطانات التي تصيب الأهالي في القرى المجاورة للنهر هي من النوع الهجومي، أي سريع الانتشار والمنيع إلى حد ما بما معنى أنّه يستجيب للعلاج بسهولة، فيما تتكاثر خلاياه ذاتيا سريعاً وتتنشر سريعاً، وبالتالي يصبح هناك مثل السباق بينها وبين العلاج والقدرة على لجمها.

الدكتور سكرية وعند سؤاله عن الحل لهذه الأزمة الكارثية؟ والإجراءات التي يمكن اعتمادهما لحماية الأهالي في هذه البيئة، أعادنا إلى العبارة التي قالها في أيلول العام 2016 خلال ورشة عمل لجامعة الدول العربية في البقاع حول تلوث الليطاني والسرطانات بحضور وزير البيئة السابق محمد المشنوق، وتقول العبارة التي ذكرنا فيها سكرية في معرض الإجابة عن هذا السؤال.

“مشكلة الليطاني عمرها 6 عقود من الزمن أي منذ أيام معمل الشمندر، منذ 6 عقود الوزارات المعنية لا تطبق القانون، مجالس النواب المتعاقبة لا تحاسب السلطات التنفيذية، الناخب ينتخب ولا يحاسب ولا يسائل من ينتخب”، مردفاً “الحل اليوم بات صعباً، ولكن عملية مقاربته ليست صعبة”.

وفيما توقف سكرية عند قيمة القرض الذي أقره البنك الدولي (750 مليون دولار)، وعند الهدر حيث تمّ صرف ما يقارب الـ100 مليون دولار “بلا طعمه” على حد تعبيره، أوضح بالتالي أنّ “هناك صمت وريبة حول ما يصرف من أموال من البنك الدولي، المطلوب اليوم وضع خطة وطنية كبرى لمعالجة قضية تلوث الليطاني وهذه الخطة لا مهرب منها وإن كانت تحتاج لسنوات، ولا بد أيضاً أن تكون مراقبة وجدية”.

وفي الختام اكتفى النائب السابق الدكتور اسماعيل سكرية بالتعليق على هذا الواقع وكيفية التعاطي معه بالقول “عيب وألف عيب ما يحدث في هذا البلد”.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر