الراصد القديم

2018/08/01

أنقرة تصرعلى عدم الامتثال للعقوبات الأميركية على طهران


هبه المنسي
 
“وزير الخارجية التركي لم يأت بجديد ” إذ أن التصريحات التي أدلى بها أمس وأكد خلالها معارضة بلاده للعقوبات الأميركية و أنها غير ملتزمة بها لا تمثل بحد ذاتها مفاجأة , فأنقرة كانت ولا تزال مصرة على عدم الامتثال للعقوبات على طهران لكن المثير للدهشة في حديث “أوغلو” أنه يأتي في وقت شهد خفضاً نسبياً بخطوط التوتر التركية – الأميركية .

“بلسان عجمى مبين” أبلغ وزير الخارجية جاويش أوغلو الوفد الأمريكي الذي زار بلاده صراحة “أن تركيا تحصل على النفط والغاز من أذربيجان وإيران وروسيا والعراق. إذا لم أشتر من إيران الآن، فمن أين أسد هذه الحاجة؟”.وقال الوزير التركي الثلاثاء إن تركيا أبلغت المسئولين الأمريكيين بأنها تعارض العقوبات الأمريكية على إيران وأنها ليست ملزمة بتطبيقها.وأضاف أوغلو في مؤتمر صحفي في أذربيجان “لسنا مضطرين للالتزام بالعقوبات التي يفرضها بلد على آخر. ونحن لا نعتبر العقوبات صائبة أيضا”.

وعقب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي ، انتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الخطوة الأميركية وبدا مدافعاً عن إيران، وأشار إلى أن الدول التي تقوم بتصوير محطات الطاقة النووية على أنها تشكل تهديدًا، ليس لها مصداقية في المجتمع الدولي.

انتقادات أوردغان أعقبها تصريح لوزير الاقتصاد التركي نهاد زيبكجي فى يونيو الماضي أعرب خلاله أن بلاده لا تعتبر نفسها ملزمة الامتثال إلى مساعي الولايات المتحدة لوقف صادرات النفط الإيرانية بدءاً من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، مشيراً إلى أنها ستعمل على ضمان عدم تضرر “البلد الشقيق” من هذه الخطوة الأميركية .وأضاف الوزير التركى فى أن بلاده ستنظر فى ما إذا كانت هناك قرارات أو عقوبات من جانب الولايات المتحدة فى هذا الشأن، وأن أنقرة ستتبع مصالحها فى هذا السياق.

موقف أنقرة ليس جديداً فى ظل ارتباطها بعلاقات تجارية موسعة مع طهران ,فضلاً عن إدراكها أن في حال قطع روابطها مع النظام الإيراني فإن ذلك يعني ذلك توقف شريان الطاقة عنها وتعطل الميزان التجاري بين البلدين الذي يتجاوز مليارات الدولارات لذلك فى يناير من العام 2012 رفضت تركيا كذلك الالتزام بالعقوبات الأمريكية على طهران معتبرة أنها فى حل عن تطبيق أي قرار أحادى غير ذي صلة بقرارات مجلس الأمن الدولي . ونتيجة للعلاقات التركية الإيرانية فيما يختص بالالتفاف على العقوبات الأمريكية فرضت واشنطن عقوبات على الدولتين فى نهاية مايو الماضي، بعد أن فرضت عقوبات على الخطوط الجوية الإيرانية، وكذلك على إيرانيين اثنين ومواطن تركى بسبب تعامله مع طهران .

المنظور التركي للعقوبات مع إيران تتسيده البراجماتية الاقتصادية وبعض المتغيرات السياسية ولعل هذا ما يفسر تأكيدات أخرى لوزير الاقتصاد بعد يومين فقط من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران, بأن الإجراء الأمريكي يمثل فرصة لتركيا منتقداً ما وصفه بـ”القرار الأحادي لواشنطن”، وقال: “لا أرى شيئا خطيرا يستحق القلق بشأنه في هذه المرحلة”. إذ ترغب أنقرة في استثمار الضغط الأمريكي على إيران واستغلال موقفها الضعيف وحاجتها لتصدير النفط بأي طريقة وبتسهيلات ائتمانية لتحصل بموجب ذلك على الخام بأقل من السعر العالمي، مستفيدة من فارق التقدير الرسمي الإيراني في موازنة العام المالي الفارسي الذي بدأ في 21 من مارس الماضي.

الإبقاء على التعاملات النفطية مع طهران ضمن أولويات أنقرة لاسيما وأن الأخيرة تستورد 90 بالمئة من احتياجاتها من النفط والغاز كما تعتمد بشكل رئيسي على النفط الإيراني ، ففى العام 2017، باتت إيران المصدر الأول الذى تحصل منه تركيا على الطاقة، بما يعادل 44.6 فى المئة من مجموع الإمدادات النفطية و17 فى المئة من إجمالي واردات الغاز، وتعتمد فى النسبة المتبقية على بغداد وموسكو والكويت والرياض. وخلال . الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري، اشترت أنقرة 3.077 مليون طن من النفط الخام من إيران، أي 55 بالمئة تقريبا من إجمالي وارداتها من الخام وفقا لبيانات هيئة تنظيم سوق الطاقة التركية.

المصالح التركية – الإيرانية تتقاطع كذلك على رقعة الميزان التجاري إذ أن كل ارتفاع بنحو 10 دولارات فى أسعار النفط يرفع مستوى التضخم فى تركيا بنسبة 0.5 فى المئة وينخفض النمو بنسبة 0.3 فى المئة. لذا تبدو أنقرة فى أمس الحاجة لإيران تفاديا لمؤشر العجز فى الحساب الجاري، وزيادة التضخّم وخفض النمو الاقتصادى. وارتفع حجم التبادل التجارى بينهما بنسبة تجاوزت 80% خلال السنوات الماضية حيث بلغ وفق المعهد الإحصائي التركي، نحو 8.4 مليارات دولار خلال العام الماضي، مقارنة بحوالي 9.7 مليارات دولار خلال عام 2016. لكن اردوغان عبّر عن أمله في رفعها إلى 30 مليار دولار. وغالبا ما كان الميزان التجاري لصالح تركيا، إذ ارتفعت قيمة الصادرات التركية إلى إيران خلال شهر كانون الأول لعام 2017 إلى 2.57 % وفي المقابل، انخفضت واردات أنقرة من طهران خلال نفس الفترة بنسبة 3.14 % . وشملت الصادرات الإيرانية إلى تركيا، النحاس والألمنيوم والفولاذ والزنك والمشتقات النفطية والغاز والبطيخ والفستق، فيما شملت وارداتها منها الموز والحبوب والتبغ والآلات الصناعية والقطن والخشب والأدوية والورق.

و تمثل تركيا معبرًا مهما للغاز الإيراني والروسي وغاز بحر قزوين نحو أوروبا، وهو ما يعزز بدوره مكانة أنقرة داخل أوروبا، وهو ما يدفع تركيا للدفاع عن إيران بقوة. فيما يشكل السياح الإيرانيين أهمية متزايدة للسوق التركي. وأنقرة لا تريد خسارة امتيازاتها التجارية مع النظام الإيراني وخاصة في ملف الطاقة والتجارة البينية التي تدر على الخزانة التركية ملايين الدولارات سنويا.ومن جهة أخرى فأنها تضغط على الإدارة الأميركية لتعويضها تلك الأموال الضخمة وإيجاد موارد رخيصة للبترول بدلا عن إيران.

التفاهمات المشتركة بين أنقرة وطهران على الصعيد السياسي أحد عوامل التقارب لاسيما بالملفين السوري والعراقي وموقفهما الواضح والموحد بشأن قضية الأكراد لذلك ترغب تركيا فى استقرار إيران حفاظاً على مصالحها بالمسألة الكردية والتي سيكون من العسير على الأولى إدارتها دون وجود الطرف الإيراني , وتعول تركيا على طهران فى محاربة حزب العمال الكردستاني والذي تصنفه أنقرة بأنه منظمة إرهابية انفصالية ,كما ينسق الجانبان بشأن العمليات العسكرية في شمال العراق ضد الحزب الكردي .وقد سبق وأثمرت جهودهما عن الحيلولة دون السماح بإقامة دولة مستقلة للأكراد من خلال فرض الحصار على كردستان العراق، وإجهاض مشروع الاستفتاء على الانفصال.

مخاوف أنقرة من حدوث أي اضطرابات أو تدخل أجنبي في إيران يأتي مدفوعاً من احتمال أن يؤدى الأمر إلى المزيد من التعقيد مثلما حدث في أفغانستان والعراق وسوريا مما قد يسفر عن تبعات خطيرة على الأمن القومي التركي أبرزها استقبالها موجات من اللاجئين الإيرانيين قد تهدد سلامة الدولة التركية في ظل التباين المذهبي بين الشعبين .

الاصطفاف التركى ضد العقوبات المزمعة على إيران أعاد إلى الأذهان قضية رضا ضراب والذى اتهم عدة مسؤولين أتراك، من بينهم أردوغان وعدد من وزرائه، بالمشاركة في برنامج للتملص من العقوبات الأمريكية على طهران إذ تكشف قضية ضراب الكثير من ملامح العلاقات التي تربط بين أنقرة وطهران، تلك العلاقة التي يمكن أن ينطبق عليها وصف ” المعقدة” كأكثر ما ينطبق على علاقة بين دولتين ظلّتا عبر قرون متنافستين تاريخيتين ومتحاربتين لأوقات طويلة، مع تشابكات إثنية وعرقية وجيوسياسية تعلّم الطرفان بالتجربة المريرة أنها يجب أن تمنعهما دوما من الوصول إلى حافة الهاوية .وطلية سنوات الحصار وقفت تركيا كبوابة شرعية وحيدة تقريبا للاقتصاد الإيراني المحاصر، فضلا عن عملها كباحة خلفية للتغلب على العقوبات، سواء كان ذلك بتسهيل من الحكومة التركية، أو حتى بالقليل من التغاضي

لقد ظن البعض خطأ أن التباين المذهبي بين تركيا وإيران سيضع إحداهما بمواجهة الأخرى لكن هذه النظرة قد تجاوزتها المصالح الاقتصادية والسياسية، والاستقرار الذي سيترافق مع المرحلة المستقبلية بعد نجاح أردوغان ربما يرفع من وتيرة التعاون التركي الإيراني. والضغوطات التي يمارسها ترامب، على الطرفين قد تزيد تقاربهما أكثر مما سبق.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر