الراصد القديم

2018/08/01

هل هو تتويج لفرنسا أم خسارة لأفريقيا!


حفيظ دراجي

لا يزال تتويج فرنسا بكأس العالم 2018 يثير التعليقات وردود الفعل الفنية، السياسية والاجتماعية في فرنسا وخارجها، خاصة أنه لم يكن متوقعا قبل المونديال ولم يكن ليتحقق لولا تركيبة المنتخب الذي يضم في صفوفه عددا كبيرا من اللاعبين من أصول افريقية جعل البعض يصف التتويج الفرنسي بالإفريقي، وينسب الفضل الى أبناء القارة السمراء، في وقت ذهبت تعليقات الى اعتبار تتويج المنتخب الفرنسي بمثابة خسارة كبيرة لإفريقيا التي تبقى تتفرج على أبنائها وهم يصنعون أمجاد الغير من دون القدرة على احتوائهم والاستثمار فيهم مثلما تفعل المدارس الكروية لمختلف الأندية الفرنسية!

فنيا، يعتقد الكثير من المحللين بأن فرنسا لم تكن هي الأحسن في هذا المونديال، وتتويجها يعود بالدرجة الأولى إلى تراجع مستوى المنتخبات الكبيرة بنجومها الكبار، ولو كانت ألمانيا وإسبانيا والبرازيل في أحسن أحوالها لما بلغت فرنسا المربع الأخير بطريقة لعبها الدفاعية وأدائها الذي كان خاليا من الابداع الفني الفردي والجماعي. في حين أرجع البعض الآخر من الفنيين تتويج فرنسا إلى الواقعية التي تحلى بها في طريقة تعامله مع المباريات التي خاضها وفاز فيها بدون أن يكون صاحب أعلى نسبة استحواذ على الكرة حيث لم يتعد معدل امتلاك الكرة في كل مبارياته 40%.

تتويج فرنسا في نظر الكثيرين كان أمرا منطقيا لأن منتخبها كان الأفضل تكتيكيا وصاحب أحسن منظومة دفاعية، وتحلى لاعبوه بروح عالية وإصرار كبير لم نلمسه لدى المنتخبات الكبيرة الأخرى، كما أنه كان بمثابة تتويج لنجاعة مدارس ومراكز التكوين الفرنسية التي أنجبت أجيالا متعاقبة من اللاعبين المتميزين، بما في ذلك أولئك الذين يتحدرون من أصول افريقية والذين تمكنوا من الانسجام والتأقلم مع مقتضيات المستوى العالي في وسط كروي أفضل بكثير من ذلك الذي ينشأ فيه اللاعب الافريقي الذي يمارس اللعبة في بلده الأصلي.

أغلب التحاليل والتفسيرات الفنية أجمعت على أحقية فرنسا بالتتويج امتدادا لوصول منتخبها الى نهائي كأس بطولة أوروبا للأمم منذ سنتين، لكن الاختلاف كان واضحا بين من اعتبر التتويج انتصارا لإفريقيا التي كانت ممثلة بخيرة أبنائها في المنتخب الفرنسي بمختلف جنسياتهم الأصلية، وبين من اعتبر التتويج انتصارا لفرنسا المتنوعة والثرية وخسارة لإفريقيا التي تملك الكثير من أمثال بوغبا وكانتي وأومتيتي ومبابي لكنها لا توفر لهم المناخ الملائم والامكانية اللازمة للتألق. وفي المقابل أجمع الكثير من التعليقات في أوروبا وأمريكا الى التذكير بأفضال الأفارقة والعرب على الكرة الفرنسية، واعتبرت فوز فرنسا بمثابة تتويج للقارة السمراء ما دام المنتخب مشكلا في غالبيته من لاعبين أفارقة أبدعوا مثل سابقيهم في عهد زيدان وتورام ودوسايي وكاريمبو وفييرا وتريزيغيه وغيرهم، وهو الأمر الذي أعاد الى السطح ذلك النقاش حول أفضال الأفارقة على فرنسا أو أفضال فرنسا عليهم!

الرد على هؤلاء وأولئك جاء من فرنسا وخارجها على لسان فنيين كرويين ومحللين سياسيين اعتبروا التتويج بمثابة انجاز فرنسي محض واخفاق افريقي بامتياز، لأن فرنسا في نظرهم هي صاحبة الفضل على اللاعبين من أصول افريقية، كونهم استفادوا من تكوين عال المستوى في مختلف مدارس ومراكز التكوين التي تزخر بها الأندية الفرنسية واستفادوا من الاندماج في مناخ ملائم للإبداع والتميز، واستفادوا من امكانات كبيرة سمحت لهم بالتألق مع أنديتهم المحترفة ومع المنتخب الفرنسي الذي جعل من التنوع ثراء وقوة ووسيلة لإثبات الذات في مجتمع يؤمن بالأفضل ولا يتوانى في حشد كل الطاقات حتى ولو كانت من أصول افريقية لصناعة مجد فرنسا الرياضي.

دعاة هذا الطرح تساءلوا عن مصير هؤلاء اللاعبين لو كانت نشأتهم الرياضية إفريقية ولعبوا في منتخباتهم الأصلية! هل كانوا سيتميزون ويتألقون؟ هل كانوا سيلعبون في أفضل الأندية الأوروبية؟ هل كانوا سيفوزون بكأس العالم مع بلدانهم الأصلية؟ وهل كان بإمكان زيدان أن يكون زيدانا لو لعب للمنتخب الجزائري مثلا؟ بالنظر لكل هذا وذاك فان تتويج فرنسا هو انجاز فرنسي بامتياز، ولا يمكن اعتباره خسارة لإفريقيا، والتتويج الفعلي للقارة السمراء سيتحقق عندما يفوز منتخب افريقي بكأس العالم، خاصة وأن سياسة فرنسا الكروية أكدت بما لا يدع أي مجال للشك بأن أبناء القارة السمراء يملكون كل مقومات الابداع والنجاح، وهم بحاجة الى رعاية وعناية تسمحان لهم بتفجير طاقاتهم في بلدانهم مثلما يفعلون مع فرنسا كل مرة، وهو الأمر الذي ينطبق على مختلف المجالات، الخامة الرياضية في افريقيا موجودة لكن صناعتها وتشكيلها غائبة أو مغيبة، فبدل التساؤل عن إفريقية كأس العالم بقميص فرنسي، وجب الاتجاه مباشرة نحو التساؤل عن كيفية إلباس كأس العالم ثوبا إفريقيا خالصا حينها تسقط جميع المقارنات ويصبح التساؤل باطلا.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر