الراصد القديم

2018/08/01

..وخيبة اللبنانيين المغتربين!


صلاح سلام

اللبنانيون في كندا يختصرون النسيج اللبناني بكل ألوانه الطائفية والسياسية، الحزبية والمناطقية، ويُجسّدون نماذج ناجحة في دنيا الأعمال، كما في المدارس والجامعات، والعديد من المؤسسات الاجتماعية الأخرى.

ويبدو أن اللبناني يبقى ابن البيئة التي يعيش فيها، يتأثر بأجوائها العامة، ويتفاعل مع الأنظمة والقوانين مرعية الإجراء في البلد الذي يعيش فيه. وهذا هو حال اللبنانيين المقيمين في مونتريال، حيث يتفوّق اللبناني على غيره من أبناء الجاليات الأجنبية، بنوعية أدائه الوظيفي، وبالتزامه بالنظام العام، وبنظافة سجله المدني من الجرائم والمخالفات.

في مونتريال، يضع اللبنانيون تنوعاتهم الحزبية والطائفية جانباً، ويتعاطون مع بعضهم بمستوى اجتماعي راقٍ، بعيداً عن حالات التشنج والانفعال السائدة في لبنان، حيث يعيش معظم السياسيين، كما قال لي أحدهم في مونتريال، على خطاب التعبئة الطائفية أو المذهبية، والتحريض الرخيص ضد الآخر، وكل ذلك تحت شعار «شدّ العصب»!

يتلاقى اللبنانيون في المناسبات الاجتماعية والوطنية، ويتناقشون أحوالهم في الاغتراب، ويتطرّقون إلى أوضاع البلد الأم، ويتبادلون وجهات النظر المختلفة بينهم، في إطار حضاري من الحوار الهادئ، الذي يقوم على الاعتراف بالآخر، وحق الاختلاف مع الآخر، استناداً إلى واقع التنوّع والتعدّد الموجود في لبنان.

ولعل النظام الفيدرالي المعتمد في الدولة الكندية، وتطبيقاته المختلفة، قد يكون ساهم في ترسيخ ثقافة الحوار الرصين والهادف بين المجموعات المختلفة، سياسياً وطائفياً وحزبياً، حيث يستوعب النظام الكندي عدّة مجموعات من عناصر إتنية وطائفية وجغرافية مختلفة، جاؤوا من القارات الخمس إلى «جنة الاغتراب» على الأرض، ليعيشوا بأمن وأمان هرباً إما من اضطهاد سلطة جائرة، أو سعياً وراء لقمة عيش بكرامة لا تحتاج إلى تبعية أو استزلام لهذا الزعيم، أو ذاك المتنفذ، أو بحثاً عن مدرسة أو جامعة لتعليم الأولاد، حيث الدولة تتحمّل معظم نفقات التعليم المدرسي والجامعي. يُضاف إلى كل ذلك طبعاً هاجس الأكثرية الساحقة من اللبنانيين الحصول على جنسيات «نظيفة» وباسبورات «محترمة» لأولادهم، تسهّل لهم الانطلاق على دروب المستقبل.

ولكن اللبناني، أينما ذهب، يبقى أسير ذلك الشعور بالخيبة والإحباط ، ويصل عند البعض إلى حالة من اليأس من إمكانية إصلاح الأوضاع في البلد الأم، «نتيجة هذا العقم الذي يهيمن على الطبقة السياسية الحالية، وما بلغته من مستويات متدنية في التعاطي مع الشأن الوطني، وتغليب لغة المغانم والمكاسب على كل ما عداها، عند أهل القرار». يقول رجل أعمال لبناني مقيم منذ أكثر من عشر سنوات في كندا، وقرر عدم النزول سنوياً إلى لبنان، كما كان يفعل سابقاً، لأنه فقد الأمل بإصلاح الوضع السياسي والاجتماعي في البلد، خاصة بعد الانتخابات الأخيرة، وعدم نجاح العهد الحالي في الإقلاع حتى الآن.

الإقبال على الانتخابات في قنصلية مونتريال كان لافتاً بكثافته وتنوعه، والجميع، على اختلاف الانتماءات السياسية والحزبية، كان يحلم بالتغيير والإصلاح، ولكن النتائج كانت مخيبة للآمال، باستثناء بعض الحزبيين المتحمسين لمكاسبهم الانتخابية، ولكن الخطوة كانت موضع تقدير واهتمام الجالية اللبنانية، التي تجاوبت مع ترتيبات القنصل اللبناني في مونتريال انطوان عيد، الذي أدار العملية الانتخابية بديناميكية منتظمة، أتاحت للمقترعين التعبير عن خياراتهم بهدوء، وفي أجواء «حضارية كندية»!

ليس ثمّة حماس بين أجيال الشباب للعودة إلى لبنان: «بلدنا عاجز عن تأمين فرص العمل للشباب المقيمين، فهل نذهب إلى لبنان لزيادة أرقام البطالة، والتسكع عند أبواب الزعماء والمسؤولين؟» يقول شاب يُنهي دراسته الجامعية ربيع العام المقبل. وعبثاً تحاول تحريك الانتماء الوطني، فتأتيك الردود من نوع: بلدنا يعيش في توتر وعدم استقرار منذ اليوم الأول لقيام دولة لبنان الكبير، ولم ينجح أهل السياسة في الخروج من عقلية المزرعة، والعمل على بناء الدولة القادرة، ونحن هنا عرفنا معنى وجود دولة يعمل السياسيون فيها على خدمة مجتمعهم، وتلبية حاجات الشباب في التعليم والعمل، فضلاً عن التقديمات الاجتماعية والصحية والتربوية، شبه المجانية، التي تُقدّم للمواطنين!

يبقى أن نقول بأن كلام الشباب برسم المسؤولين في لبنان، علهم يشعرون بوجع مواطنيهم المغتربين، والذي لا يقل ألماً عن أوجاع اللبنانيين المقيمين!

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر