الراصد القديم

2018/09/02

في البحث عن المشترك القومي في الحياة العربية ..




لا مناص ونحن في هذا المنعطف الخطير من الحياة السياسية العربية المحملة بالفوضى والاضطراب أن نبحث عن المشترك والجاذب والممكن والباعث على الأمل فذلك خيار لابد من الانحياز له والتوجه إلية في معظم الاحوال ، وهو منحى قد نمضي إليه بمحاولات متواضعة وجزئية ومن خلال أفق تاريخي وسياسي يريد أن يفتح مساحات جديدة من التفكير والعمل ولا يريد أن يبقى طويلا حبيس العتمة وأمام الآفاق المسدودة ويدفع لرؤية ممكنات بديلة وكثيرة لتحريك هذا الواقع العربي نحو الأفضل .

وهذا المشترك العربي كبير وشاخص ومتعدد لكنه يتناثر الآن على مساحات مبعثرة ومتضادة ومتباعده ويمكن جمعه في نطاقات ومدارات عقلانية حافزة وواعدة واستنهاضه وتحويلة إلى نويات لمشتركات وتشاركيات كبيرة مع أن العقبة الكبرى التي تحول دونه في المرحلة الراهنة هي وجود أنظمة عربية سلطوية وتسلطية تنكرت لهويتها العربية وأغلقت أقطارها وأفشلت مجتمعاتها وجعلتها تنأى قسراعن المشترك العربي وحصرت خياراتها في التطلع إلى الخارج باعتباره الخيار الوحيد للاستمرار والبقاء في السلطة .

كنا ولا نزال نرى أن هنالك أصعدة ومجالات من العمل العربي المشترك (في الثقافة والصحة والاقتصاد والتبادل التجاري والنقل وحركة السكان )  لا علاقة لها بالأنظمة وعقدها السياسية ولا تؤثر على طبيعة هذه الأنظمة وخياراتها ويمكن تفعيلها سواء من داخل إطارات الجامعة العربية ومؤسساتها الفرعية المتعددة أو من خارجها وعن طريق العلاقات الثنائية بين الأقطار العربية  ويمكن لها أن تخلق ثقة وقناعة بالمشترك العربي وخصوصا عندما يرتبط بحياة المواطنين العرب والتسهيل عليهم في التنقل والحركة داخل الأقطار العربية وتبادل المنافع  ،  وعلينا لكي لا نتهم بالشطح أن نتذكر أن الوحدة الأوروبية قد بدأت يمثل هذه المشتركات والتوافقات الجزئية المحدودة وتطورت إلى أن وصلت الى الصيغة الراهنة من الاتحاد الشمولي الذي نشهده الآن .

لا شيء بمستغرب في عالمنا الراهن ونحن نرى التغيرات والانتقالات والتوافقات السياسية والاقتصادية والثقافية الجارية بين دول كانت خلال فترات تاريخية طويلة متضادة ومتحاربة وحيث يبدو الآن أن كل ما كان من نمط المستطرف والمستحيل في العلاقات بين الدول يصبح مباحا ومتاحاً ومستساغا وتقدم عليه الدول والشعوب دون تردد والأهم في ذلك  هو الارادة والوعي الشمولي وثقافة الادراك والاستدراك وقراءة المتغيرات بعيون وطنية تتطلع إلى المستقبل والبقاء داخل التاريخ لا على هوامشه .

نحن نتطلع الآن إلى مبادرات نوعية رسمية أو شعبية للبحث عن هذا المشترك العربي والإنشداد إليه وتجديد الحديث عن ممكناته وقد يبدأ الحراك من لدن المنظمات الشعبية والنقابية والحزبية على امتداد الوطن العربي ويمكن لذلك في النهاية أن يشكل رأيا عربيا عاما ضاغطا يفرض الحاحاته ومطالبه على النظام الرسمي العربي  ويضع أمامه صورا جديدة حول امكانية تحريك كل ما هو غير خلافي في الحياة السياسية العربية وخارج الأطر السياسية السائدة ولا يتعارض مع ضرورات هذه الأنظمة ولا يهدد استقرارها ووجودها ، ولنحاول من خلال هذه الرؤى والمبادرات أن نصلح في العديد من المجالات ما تفسده السياسة ولربما تكون مثل هذه المحاولات مقدمات لتفاهمات عربية في مجالات ونطاقات أكبر وأكثر أهمية وتأثيرا .

المشترك العربي موجود إذا التقطنا بوعي موجباته وضروراته وإذا استطعنا أن نضع مفرداته أمام عقل الأنظمة وأبناء الأمة بصياغات تبسيطية جديدة وجاذبة ، وامكانية تحقيقه ممكنة إذا اخرجناه من اطاراته السياسية المعقدة وأفرغناه من طبيعته الخلافية والتخويفية والمنفّره ووضعناه بصورته  الشعبية التبسيطية ومن خلال  سؤال عادي :حتى في ظل الخلافات السياسية والاضطرابات الراهنة داخل العديد من الدول العربية ما الذي يحول بين العرب والتوافقات على الصعد الصحية والثقافية والتربوية والتنقل والتبادل التجاري  .. الخ ؟

سؤال أصبح يخرج من القلوب والعقول العربية المكلومة وفيه الكثير مما يلفت الانتباه ويحرك العقول والضمائر وهو على كل حال سؤالا ينأى عن الحلم ولا بأس إذا رآه البعض حلما !

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر