الراصد القديم

2018/09/30

"فضائح" مطار بيروت: "الاعتذار" لا يكفي!




يوماً بعد آخر، تتوالى "الفضائح" في ​مطار بيروت الدولي​، المفترض أن يكون واجهة ​لبنان​ السياحية، حتى بات مرور يومٍ من دون "قصّة" محورها المطار يشكّل الاستثناء لا القاعدة.

وفيما كان الاعتقاد سائداً بأنّ "روايات" المطار ستنتهي مع انقضاء موسم الاصطياف، والازدحام الذي تسبّب به، فاضحاً فقدان المرفق السياحي الأهمّ للحدّ الأدنى من المقوّمات الضرورية للصمود والبقاء، أثبتت "فضائح" هذا الأسبوع زيف هذه المقولة، وأنّ الازدحام لم يكن إلا نقطة في بحر مشاكل المطار المخفيّة.

ولعلّ ما حدث قبل يومين من توقف حركة المطار بسبب ما وُصِف بكلّ بساطة بـ"سوء التفاهم" بين الأجهزة الأمنية العاملة في المطار، كافٍ لإدراك "الأزمة" التي يعيشها المطار، خصوصاً في ضوء محاولات تمرير ما حصل وكأنّه لم يكن، من دون أيّ إجراءاتٍ تُذكَر، ولو لرفع العتب...

"حملة مبرمجة"؟!

مع بدء أزمات المطار المتشعّبة، حاول البعض التقليل من حجمها عبر الإيحاء بأنّ هناك "حملة مبرمجة" تستهدف طوراً وزير الأشغال ​يوسف فنيانوس​، ربطاً بمفاوضات تشكيل الحكومة، وإصرار "​تيار المردة​" على الاحتفاظ بحقيبته، ورفض "​التيار الوطني الحر​" ذلك، وطوراً آخر جهازاً أمنياً من هنا وهناك، "حملة" بات واضحاً أنّها لو وُجِدت، فإنّها لا تنطلق من العدم، خصوصاً مع تراكم "القصص" المرتبطة بالمطار، خلال فترة قياسيّة.

ما حصل قبل يومين أكثر من كافٍ لدقّ جرس الإنذار حول ما يحصل في المطار، بعيداً عن أيّ تذرّعٍ بأنّ هناك من يشنّ الحملات السياسية هنا، ومن يسعى لضرب السياحة اللبنانية هناك. فـ"سوء التفاهم" على حدّ وصف وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال ​نهاد المشنوق ​ بدا للوهلة الأولى عصياً على التصديق. أن تتوقف حركة المطار بسبب "خلاف" بين جهازين أمنيَّيْن، على العلن وأمام أعين المسافرين، لا يمكن أن يكون أمراً عادياً أو عابراً، خصوصاً أنّه أضرّ بالمواطنين بالدرجة الأولى والمباشرة.

وإذا كان بالإمكان تسمية "سوء التفاهم" هذا بـ"فضيحة الفضائح" في إطار ما لحق بالمطار من "سمعة غير حسنة" في الآونة الأخيرة، فإنّه أتى جزءاً من سلسلة تراكماتٍ كان من الممكن التغاضي عنها، لو أنّها أتت عبارة عن "حادث فردي" لا عن "مسلسل متكرّر"، بدءاً من حالات الازدحام والفوضى التي فضحت سوء التنظيم في المطار، وصولاً إلى تعطّل برنامج تسجيل المسافرين، وكلّها عوامل أسهمت في إعلان الكثير من المسافرين، من اللبنانيين والسيّاح على حدّ سواء، "تململهم"، بل إعادة التفكير بالمجيء إلى لبنان.

ولا يمكن وضع الإشاعات التي رافقت سفر ​الرئيس ميشال عون ​ إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة خارج خانة المشاكل التي يعاني منها المطار، بعيداً عن فرضيّة "استهداف العهد" التي يكرّرها البعض، ولو كانت مبرَّرة منطقياً بأنّه من شبه المستحيل أن تكون سفرة مبرمجة منذ أشهر، خاضعة لإجراءات اللحظة الأخيرة. وأياً كانت حقيقة الأمر، فإنّه أثبت وجود سوء تنظيم وتقصيرٍ في الحدّ الأدنى، علماً أنّ ما رافق هذه الإشاعات من ضجّة حول الوفد الرئاسي، وأعضائه، طرح بدوره الكثير من علامات الاستفهام، ما أدّى إلى فتح تحقيقٍ في شأن "احتمال خرق أمن رئيس الجمهورية".

"الاعتذار" لا يكفي!

قد يقول قائل إنّ الأزمات تحصل، بل إنّ دولاً كبرى شهدت مطاراتها بعض الأحداث، التي قد لا ترتقي إلى مستوى الخلاف العلني والمفضوح بين الأجهزة الأمنية، ولكنّها قد تصل إلى مستوى الخلل الفني، كالذي حصل عندما تعطّل جهاز تسجيل المسافرين، أو إلى مستوى الفوضى والازدحام، وإن كان المعنيّون الذين يفتخرون بارتفاع أعداد المسافرين يتحمّلون مسؤولية عدم تطبيق ما يُحكى عنه منذ سنوات من خطط توسعة وغير ذلك.

لكن، إذا كان صحيحاً أنّ الأزمات تحصل، وهذا أمر طبيعي، فإنّ السؤال الذي يُطرح هو، كيف واجهت الدولة اللبنانية، دولة القانون والمؤسسات، هذه الأزمة؟.

بكلّ بساطة، شكّلت سياسة "الاعتذار" الحلّ الأيسر والأفضل للدولة. هكذا، عندما حدثت أزمة الازدحام في المطار، "اعتذر" وزير الأشغال من المواطنين، وكذلك فعل عندما حدثت أزمة تعطّل جهاز التسجيل. وتكرّر الأمر نفسه مع أزمة تنازع الصلاحيات الأمنية، إذ قدّم وزير الداخلية هذه المرّة "الاعتذار". ومع أنّ تحقيقاً فُتِح في بعض هذه الحالات، إلا أنّ الوقائع توحي بأنه لم يتخطّ إطاره "الشكلي"، بل يأتي في إطار "المسكّنات" التي تُعتمَد لبنانياً دائماً في مواجهة جميع الأزمات، فيما الاتكال على عامل "الوقت" باعتباره السلاح الأمثل للنسيان.

لا شكّ أن المطلوب أكثر بكثير من مجرّد "اعتذار" لا يغني ولا يسمن من جوع، وذلك لحفظ ما بقي من هيبة للدولة، ومنعاً لتكريس صورة الفساد والانهيار المؤسساتي، التي لم يعد خافياً على أحد أنّ هناك من يسعى لتضخيمها لأهدافٍ قد لا تكون بريئة، وبكلّ الوسائل والأساليب المُتاحة. ولعلّه أكثر من "نافر" في هذا الإطار، أن يكون هناك محاولات جدية لتمرير ما حصل في المطار قبل يومين من خلاف واضح بين ضابطين، أقرب إلى "الانقلاب" في مكانٍ ما، بأقلّ الأضرار الممكنة، من دون أيّ إجراء تأديبيّ، أو حتى إنذار أو توبيخ، في حين أنّ حادثاً من هذا النوع في أيّ دولةٍ أخرى كان من شأنه أن يطيح برؤوسٍ كبيرة.

إلى متى؟

سواء كان هناك "غرفة عمليات" تسعى لضرب صورة لبنان السياحية كما يؤكد البعض، أم لا، فإنّ الأكيد أنّ العلّة تبقى في البنية المهترئة للنظام اللبناني، والتي تصوّر أحداث المطار المتكرّرة عيّنة منها فقط، علّة لم يعد من الجائز تمريرها على الطريقة اللبنانية، من دون محاسبة أو مساءلة، خصوصاً في ظلّ عهدٍ يرفع شعار محاربة الفساد.

وإذا كانت "الذرائع" دائماً جاهزة لتبرير أيّ "خلل" مهما كبر أو صغر، من تنازع الصلاحيات إلى غياب الموازنة والخطط وغير ذلك، ولأنّ "تسييس" كلّ الأزمات يبقى سيّد الموقف، في ظلّ بنية سياسية مهترئة هي الأخرى، وعاجزة عن تشكيل حكومة بالحدّ الأدنى من التوافق، فإنّ السؤال يبقى، إلى متى يبقى الوضع على هذه الحال من السوء؟ وإلى متى سيبقى المواطنون في هذه الدوامة، من دون أن يجرؤوا على الاعتراض، لا بالأقوال فقط، بل بالأفعال، احتراماً لكراماتهم أولاً وأخيراً؟!.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر