الراصد القديم

2018/09/30

رسالة لمكتب جرائم المعلوماتية: أوقفوا مخالفة القانون أو عدّلوه





عقد الأمن العام ال​لبنان​ي منذ فترة مؤتمرا للبحث في "خطر" جرائم المعلوماتية، وكيفية مواجهتها والتنبه منها لعدم الوقوع ضحيتها. لم يتطرق الضباط المعنيين في الأجهزة الأمنية خلال شرحهم لهذا النوع من الجرائم، الى "بوستات" رواد مواقع التواصل الاجتماعي. لم يتحدثوا عن ضرر الـ"Share" ولا عن القوانين التي تحرّم إبداء الرأي. كانت الجرائم المقصودة تلك التي تتم عبر استعمال ​الفضاء​ الالكتروني وتؤدي لسرقة أموال أو ابتزاز أو سرقة داتا معلومات من الشركات أو تخريب أنظمة شركات.

يعلم الضباط أن لبنان بحاجة الى سنوات كي يصل الى مستوى هذا النوع من الحروب، فمكافحة جرائم المعلوماتية تستوجب نظاما متراصّا وأجهزة متخصصة، الأمر الذي لا يزال بعيد المنال لدينا ويجعل ​اسرائيل​ مثلا متفوقة علينا بأشواط. كنا نظن أن لبنان أدرك خطورة الأمر منذ العام 2006، فقام بافتتاح ​مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية​ و​الملكية الفكرية​، ولكن بعد 12 عاما على تأسيس هذا المكتب، يبدو أننا اخطأنا، فالمكتب يعمل اليوم على استدعاء المواطنين للتحقيق بسبب رأي وموقف كتبوه على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحوّل الى سلطة تحقيق واتهام وتنفيذ، فيحقق ويتّهم ويطلق الأحكام التي عادة ما تكون "توقيع تعهدات".

لن نتطرق كثيرا لمسألة إنشاء المكتب التي جاءت بحسب أحد القانونيين مخالفة قانون تنظيم ​قوى الأمن الداخلي​ الرقم 91/17، الذي ينص بمادته الثامنة على أنّه لا يمكن تنظيم وإنشاء وحدات في قوى الأمن الداخلي إلا بمرسوم يصدر عن ​مجلس الوزراء​، بناء على اقتراح وزير الداخلية، بعد استطلاع رأي مجلس القيادة في قوى الأمن الداخلي، بينما تم انشاء المكتب بناء لمذكرة خدمة صادرة عن المديرية، الا أننا سنبحث أكثر في أسباب إنشاء المكتب وصلاحياته، ومقارنتها بالاجراءات التي يقوم بها اليوم.

في تعريف الجريمة المعلوماتية نجد أنها أولا "كل جرم تكون فيه التقنيات العالية هدف الجرم مثل: خرق الأجهزة، سرقة المعلومات الخ"، وثانيا "كل جرم تكون فيه التقنيات العالية وسيلة في اقتراف الجرم". في هذا التعريف لم يرد شيئا عن استدعاء الأشخاص بسبب آرائهم على مواقع التواصل الاجتماعي، فلماذا يتم استدعاء المواطنين على هذا الأساس؟.

يقول أحد الخبراء الحقوقيين: "اذا كانت الحجّة التي يتم الاستدعاء بسببها قائمة على تحقير أحدهم او القدح والذم، فمن الجدير ذكره أن المرجع الصالح الذي ينظم التقاضي في هذه الجرائم هو قانون العقوبات الذي لم ينص اطلاقا على دور هذا المكتب". ويضيف: "كذلك من الواجب التذكير بأن الـ"Post" لا يمكن أن يكون بحد ذاته جرما، بل هو وسيلة اثبات لحدوث الجرم".

من جهته يشدد المحامي منير زغبي على أن قيام الضابطة ​العدلية ​ (المكتب) باستدعاء المواطنين لا يمكن أن يتم الا بإذن من النيابة العامة، ولكن الأساس بشأن المكتب يبقى حول قانونيّة انشائه. ويضيف في حديث لـ"النشرة": "الى جانب عدم قانونيته، يُطرح امرا مهما هو انتهاك الخصوصية الذي يحصل أثناء التحقيق من خلال "تفريغ" محتوى الهاتف الخاص"، مشيرا الى أن المكتب يعمل بظل فراغ تشريعي وقانوني كبير يختص بعمله، ما يجعلهم يغطّون الفراغ بالاعتماد على "القياس".

تفرض أصول المحاكمات في لبنان وجود ضابطة عدلية، تعاون النيابة العامة، تقوم بواجبها بالتحقيق وترسله الى القاضي المنفرد أو الى قاضي التحقيق، ليسلك الملف طريقه نحو الحكم، ومن ثم يكون الاستئناف وغيره، ولكن في حالة هذا المكتب يقوم هو بالتحقيقات، ثم يوجه التهم ويحكم، فهل يستطيع أحد ما أن يوضح أين يمكن للماثلين أمام هذا المكتب أن يستأنفوا الحكم أو يعترضوا عليه؟. في هذا الإطار يقول زغبي: "النيابة العامة تلعب دور الخصم بالدعوى وبالتالي لا يمكن أن يصدر عنها الحكم، وهنا الخطورة لأنه لا يمكن استئناف "حكمها غير القانوني"، مشددا في نفس الوقت على أن "التعهّد" الذي يلزمون المواطنين على توقيعه هو بدعة قانونيّة وليس حُكمًا وهو يشكل نوعا من الالتفاف على القانون.

ويؤكد الزغبي على أنه لا يحق للمكتب اتخاذ تدابير احترازيّة خاصة، سائلا: "هل ​الفايسبوك ​ مثلا هو أداة جريمة؟، مشددا على أن أي إجراء من هذا النوع هو انتهاك لحرية الشخص وحقوقه، معتبرا أن إلزام المواطنين على توقيع تعهدات تفرض عليهم مثلا عدم استعمال "الفايسبوك" لشهر كامل ينم عن جهل قانوني اذ أن هذا الطلب يعارض ​حقوق الانسان​، ويحق لمن يُطلب إليه هذا الأمر أن يرفض رفضا مطلقا.

لا يتحمّل المكتب وحده مسؤولية عدم تطبيق القوانين، فالنيابات العامة التي تتولّى مهمة تحويل القضايا إليه للتحقيق فيها باتت تحمله كل قضية في طياتها استعمالا للانترنت، مع العلم أن مهمته هي تقديم المعونة للنيابة العامة بكل ما له علاقة بالجوانب التقنية للقضية.

لا يستند المكتب بعمله الحالي لأيّ قوانين، اذ أن ممارساته بحاجة الى قَوْنَنَة كما وجوده، هذا إن سلّمنا جدلا بأن ما يقوم به هو أمر جيد، فكيف إن كانت ممارساته "المتشدّدة" والاستنسابيّة تساهم بإسكات اللبنانيين؟.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر