الراصد القديم

2018/11/01

لماذا أخفق “اليسار” في تونس رغم فشل الإسلاميين ؟


هبه المنسي

على الرغم من الإرث الطويل لليسار التونسي والذي يعود إلى عشرينات القرن الماضي وتكوينه عقب ثورة الياسمين ائتلافاً سياسياً في العام 2013 ضمّ أغلب أحزابه تحت مظلة ما يسمى بــ “الجبهة الشعبيّة” غير أنه لم يتمكن من ترسيخ أقدامه بالساحة السياسية ولم ينجح في إقناع التونسيين بوصوله للحكم رغم الإخفاقات المتعددة للتيارات الإسلامية وفى مقدمتها حركة النهضة .

ثورة الياسمين مثلت بارقة أمل لليسار إذ رفعت من سقف تطلعاته لاسيما وأن مطالبها كانت منسجمة إلى حد بعيد مع شعارات اليساريين وأفكارهم غير أن نتائج الحراك الانتخابي الذي شهدته البلاد فى عام 2011 شكل ضربة قاضية لطموحاته بعد أن منيت بخسارة فادحة ولم تتحصل أحزاب اليسار سوى على ثلاثة مقاعد فقط ضمن المجلس التأسيسي

تشرذم اليسار أسهم فى أفول نجمه بالتجربة الديمقراطية الأولى, وقد استوعبت أحزابه الدرس لذلك أعلنت في 7 أكتوبر 2012 عن تشكيل ائتلاف سياسي موحد عرف باسم الجبهة الشعبيّة , وقد ضمت عند تأسيسها نحو 10 أحزاب هي؛ حزب العمّال، وحزب الوطنيّين الديمقراطيّين الموحّد، وحركة الديمقراطيّين الاشتراكيّين، وحركة البعث، وحزب الطليعة العربي الديمقراطي، وحزب النضال التقدمي، والحزب الوطني الاشتراكي الثوري، ورابطة اليسار العمالي، وحزب تونس الخضراء، والحزب الشعبي للحرية والتقدم، بالإضافة إلى جمعيّاتٍ وأشخاصٍ مستقلّين

موجات الغضب ضد حكم الإسلاميين ممثلاً بحركة النهضة فتحت نافذة أوسع لحضور اليسار والذي لعب دوراً فاعلاً في تحريك الاحتجاجات وتخليص البلاد من سطوة الإسلاميين وحكم الترويكا (فترة حكم حركة النّهضة مع حزبيْ المؤتمر من أجل الجمهوريّة والتكتّل ) في عام 2013 وذلك عبر تجنيد كافة مكونات اليسار في اعتصام الرحيل , الذي أفضى إلى إسقاط حكومة علي العريّض إبان اغتيال الناشطين اليساريين شكري بلعيد ومحمد البراهمي. . ونافست الجبهة الشعبية في الاستحقاق النيابي في عام 2014 وتمكنت من حصد نحو 15 مقعداً بالبرلمان التونسي من إجمالي عدد مقاعده ,البالغ 217. كما ترشح حمّة الهمّامي، الناطق باسم الجبهة للانتخابات الرئاسية .

ولكن انخراط العائلة اليسارية في التظاهرات الشعبية ضد حكومة الشاهد فى يناير من العام الجارى ,أدى إلى تراجعها بضع خطوات للوراء حيث اتهمت الحكومة اليسار بتأجيج الاحتجاجات ومحاولة جر البلاد إلى الفوضى والحرب الأهلية وهو ما استثمرته حركة النهضة الإسلامية والتي سرعان ما أصدرت بيان أشارت به إلى انحراف بعض الاحتجاجات وتعمدها التخريب والاعتداء على مؤسسات الدولة وأجهزتها ودانت من خلاله استغلال بعض الأطراف اليسارية والفوضوية في إشارة إلى الجبهة الشعبية مطالب التونسيين الشرعية والتحريض على الفوضى والتخريب والنهب.

انعكاسات الموقف اليساري الداعم للمحتجين تجلت بوضوح في نتائج الانتخابات البلدية والتي أجريت فى مايو الماضي إذ لم يحظ اليسار سوى بنسبة ضئيلة من الأصوات بلغت 3.95 بالمائة بما يوازي 259 مقعداً. فعلى الرغم من الحضور القوي للخطاب اليساري في الحياة السياسية,مؤخراً , عقب تردى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية , غير أن نتائج الانتخابات بدت كما لو كانت إجراءاً عقابياً على تعبئة الشارع ضد الحكومة . وقد أصدرت الجبهة بياناً أكدت فيه عدم رضاها عن تلك النتائج وأنها لا تعكس حجم حضور اليسار على الصعيد الشعبي .

ومن دون الخوض في كواليس الانتخابات الأخيرة غير أن انخراط اليسار في مساندة التظاهرات لا يعد مبرراً كافياً لتراجعه لاسيما مع فوز المستقلين بأغلبية المقاعد البلدية رغم افتقارهم للدعم المادي والإعلامي فى حين أخفق المكون اليساري في معظم المحطات منذ اندلاع الثورة ولم يفلح في استقطاب شريحة واسعة من الناخبين

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر