الراصد القديم

2018/11/01

احتجاز رفيقي جورج عبدالله

 
تيمه حطيط

لطالما ترددت على مسامعنا أغنية “سنديانة حمرا”، واستوقفتنا عبارة “من إيّامك يا بيي، إيّام اللي كنتوا قلال، أيّام اللي كانت صعبة الكتابة ع الحيطان، من زمان كتير”، إذ بدا غريبًا لنا أن يعاقب بالسجن من يحاول التعبير عن رأيه عبر الكتابة على إحدى الجدران.

فوجئنا جميعًا يوم الثلاثاء بصورة لبوّابة السفارة الفرنسيّة خط عليها بيد مجهولين عبارة “الحريّة لجورج عبد الله”، ذلك المعتقل اللبناني الذي لا يزال ماكثًا في السجون الفرنسيّة رغم انقضاء مدّة حكمه، لأنّه رفض الموافقة على نعت أعماله النضاليّة، بالأنشطة الإرهابيّة.

هذه الخطوة كانت واحدة من خطوات عديدة يحاول رفاق جورج عبدالله من خلالها الضغط على الحكومة اللبنانيّة التي لا تحرّك ساكنًا اتجاه هذه القضيّة، بهدف متابعتها مع السلطات الفرنسيّة للبت فيها، إذ أن استئناف حكم الإفراج عنه لا يزال قائمًا منذ العام 2003.

يوم الثلاثاء تحرّكت الحكومة بالفعل، فأقدمت على خطوة كانت قد أقدمت عليها السنة الماضية حين احتجزت المواطن خضر أنور ورفيقته، حين قاما بكتابة شعارات تطالب بحريّة الأسير جورج عبد الله على حائط قصر الصنوبر، بينما كان يتحضّر السفير الفرنسي لاستقبال المهنئين –وبينهم مسؤولون لبنانيّون- بالعيد الوطني الفرنسي. فاعتقلوا هذه المرّة المواطن نفسه “خضر أنور” ورفيقه “أديب عبد الله”.

اللافت في الأمر أن الاعتقال تم بطريقة سريّة، إذ تم منع المواطنين من إبلاغ رفاقهما أو أهاليهما بمكان تواجدهما، علمًا أن القانون اللبناني يضمن لهما ذلك، ولم يعلم أحد باختفائهما إلا في صبيحة اليوم التالي، حين حاول أحد أصدقائهما التواصل معهما، فعلم عن طريق الصدفة أنهما محتجزين.

ليس ذلك فحسب، بل إن سوء المعاملة طال حرمانهما من مقابلة أحد حتى بعد يوم من احتجازهما، وبحسب إفادة أحد المحامين الذين حاولوا زيارتهما، فقد تم منع دخول كافّة الطعام الذي تم إرساله لهما. ناهيك عن بيان أصدرته القوى الامنيّة مرفقًا بصورة بدا فيها المحتجزين وكأنهما مجرمي حرب استلموا السلطة بعد أن مات على أيديهما مئات المواطنين، واليوم سيصدر حكم الشعب فيهما! فهل نحن أمام سلطة قانون، أم شريعة غاب يسودها منطق المافيا والعصابات؟!

وعليه قمنا بالتواصل مع المحامي واصف الحركة الذي قال إن المدّعى عليهما اعترفوا خلال التحقيق معهما أنهما قاما بما نسب إليهما، لكنّ هدفهما كان التعبير عن رأيهما السياسي بحريّة ليس إلّا، وقد أبديا دهشتهما من توقيفهما فيما لا يزال اللصوص الذين يعقدون الصفقات الكبرى على حساب الشعب اللبناني يسرحون ويمرحون.

وأضاف المحامي الحركة أن ما قاما به الشابان لا يعدّ تخريبًا، إذ أن القانون يستخدم مصطلح “التخريب” حين لا يعود الشيء قابلًا للاستخدام، وهذا ما لا ينطبق على حالتهما. 
وبعد جلسة التحقيق النهائيّة أفاد الحركة أن قاضي التحقيق فريد عجيب قام بمخالفة قرار النيابة العامّة، وقضى بإخلاء سبيلهما بكفالة ماليّة قدرها مئتي ألف ليرة لبنانية، ذلك بعد انقضاء ثلاثة أيّام على وجودهما في الحجز.

وفي حديث مع الناشطة نعمت بدر الدين –وهي الناشطة في الحملة نفسها التي نشط معها الشّابين- قالت: “أظهر بيان قوى الأمن الشّابين كمخرّبين، وكان لافتًا جدًا عدم ذكر التهمة التي اعتقلوا على أساسها. لماذا؟ لإن الدولة اللبنانية مهملة في قضيّة جورج عبدالله ولن يكون في صالحها فتح مثل هذا الملف. أين وزارة الخارجية من هذه القضيّة؟ وأين جدول أعمال رئيس الجمهوريّة في لقائه مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون؟! نحن نتمنّى على المعنيين إخبارنا بالطريقة التي تمت بها مناقصة الباركميتر، ومن هم الشركاء فيها، وكيف تستفيد خزينة الدولة من ذلك؟ ونودّ سؤال هذه السلطة عن جميع الصفقات المتعلّقة بالكهرباء مثلًا..! ولكن يبدو أن غياب الغطاء السياسي والطائفي وغطاء وسام عاشور وجهاد العرب وغيرهما، يجعلك تحت طائلة المحاسبة دونًا عن غيرك.. لكننا وفي كل الأحوال نعتقد أن وعي الشباب هو غطاؤهما، واعتقالهما هو رسالة واضحة.”

إلى ذلك نحن بدورنا نتساءل عن الهدف الأساسي الذي يدفع هذه السلطة إلى اعتقال مواطنين بسبب كتابة شعارات على إحدى الجدران، فإن كانت الأسباب تتعلّق بالحفاظ على الأملاك العامّة، فأين المعنيّون من ملاحقة تعدّي أصحاب الأموال والنفوذ على الأملاك البحريّة مثلًا؟ وإن كانت تتعلّق بالحفاظ على البيئة والنظافة العامّة، فأين ملف النفايات الذي لم يتم إيجاد أي حلّ حقيقي له منذ أربعة سنوات حتى اليوم؟ وأين سلطتنا وحسمها من تقليص المساحات العامّة وملف الكسّارات والمياه الملوّثة وغيرها من القضايا التي أدت إلى تفاقم الكثير من الأمراض المسرطنة! أم تراها ترمي لتشجيع المواطنين على احترام القانون ونظامه، لكنّها في الوقت عينه عاجزة عن رؤية صور الزعماء الذين يكاد لا يخلو شارع لبناني من وجودها على معظم جدرانها؟!

والأهم من كل ذلك، أين أصبح ملف جورج عبد الله الذي لم يطلق سراحه من السجون الفرنسيّة رغم انقضاء مدّة حكمه؟ ولم تبادر السلطات اللبنانيّة إلى القيام بأي خطوة للضغط على الحكومة الفرنسيّة؟

وإن كانت هذه السلطة عاجزة بالفعل عن فتح هذه الملفات، لأسباب تتعلّق بحسابات شخصيّة وسياسيّة لا تمت للمصلحة العامّة بصلة، فلما هذا الاستشراس في التعامل مع من يقومون بأبسط حقوقهم، ويطالبون سلميًّا بالإفراج عن مواطن لبناني محتجز لدى سلطات أجنبيّة؟ ولماذا تحاسب المواطنين على تذمّرهم، بدل محاسبة المعنيين على الفعل الذي دفع هؤلاء المواطنين للقيام بردة الفعل؟!

للأمانة، يبدو أن “إيّام اللي كانت صعبة الكتابة ع الحيطان” قد عادت، ببركة العهد القوي جدًا على الضعيف.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر