الراصد القديم

2018/11/01

فرنسا وحزب الله.. رومانسية برائحة النفط


منير الربيع

يتمظهر التقارب بين فرنسا وحزب الله أكثر فأكثر. الملفات المشتركة بين الطرفين عديدة. وحاجة كل منهما إلى العلاقة المتبادلة أكثر من ضرورة. الاستقرار في لبنان مبدأ لازم لفرنسا، وهي تعتبر أن حزب الله هو العنصر المتمكن من فرض الاستقرار وتوفير ديمومته. ليس لأسباب سياسية وحسب، بل لأسباب نفطية أيضاً، ربطاً بالدور الذي ستلعبه شركة توتال الفرنسية في عمليات التنقيب عن النفط. آخر تقاطع سياسي بارز بين باريس والحزب، تجلّى في جهود تشكيل الحكومة، وتناغم نظرة الطرفين حول ضرورة الإسراع في إنجازها. إذ إن المسعى بهذا الاتجاه تجدد، بعد لقاء الرئيسين ميشال عون وإيمانويل ماكرون في أرمينيا، بحضور الوزير جبران باسيل. في ذلك اللقاء، طلب ماكرون بوضوح تسهيل عملية تأليف الحكومة وتسريعها. وبعده انطلق باسيل للقاء الأمين العام لحزب الله، للتوافق مع الرغبة الفرنسية.

قبل هذا التقارب، كان هناك تقارب بين الحزب وباريس على خلفية "استقالة" الرئيس سعد الحريري من الرياض. كان الهدف من تلك الاستقالة "المدبرة" تعرية حزب الله وعهد ميشال عون، والتمهيد للدخول في مواجهة سياسية محلية وخارجية معهما. لعب ماكرون دوراً بارزاً في إعادة الحريري عن استقالته، وتأمين ديمومة التسوية على قاعدة النأي بالنفس. فأعيد إحياء "التسوية"، التي يصفها كثر بأنها تسليم أمر البلد إلى الحزب وحلفائه. وهذه المرّة فرنسا كانت شريكة في ذلك.

محطّات مختلفة مرّت بها العلاقة بين فرنسا وحزب الله، منذ التدخل الايجابي للرئيس السابق جاك شيراك في إنجاز "تفاهم نيسان" (1996) ووقف حرب عناقيد الغضب، بالتنسيق مع الرئيس رفيق الحريري. يومها كان هناك تطابق في وجهات النظر بين الحريري الأب وحزب الله، وكان تقسيم الأدوار واضحاً بين الطرفين، ملف الاقتصاد للحريري، والسياسة الداخلية لتركيبة يرعاها النظام السوري على أساس "الترويكا" (توافق الرئاسات الثلاث)، فيما السياسة الخارجية والمقاومة والعمل العسكري لحزب الله (بالتنسيق مع سوريا).

اليوم، يتكرر المشهد. سعد الحريري في تسوية مباشرة مع حزب الله. هو يتولى مع الرئيس عون (بالتفاهم مع الرئيس بري) الشؤون السياسية الداخلية والاقتصادية والمالية، وحزب الله يتولى السياسات الخارجية وقيادة المعارك العسكرية، هذه المرّة في سوريا، مع إبقاء الاستعداد والتأهب على الحدود الجنوبية، التي تحظى برعاية دولية كبرى، وخصوصاً روسية- فرنسية، ربطاً بالنفط.

تبدو فرنسا وكأنها "الراعية الرسمية" لديناميكية كل هذه التفاهمات، بين توفير الدعم المالي والاقتصادي من خلال المؤتمرات وآخرها سيدر، والتدخل الايجابي لتذليل العقبات التي تعترض تشكيل الحكومة وغيرها، إلى جانب التنسيق مع حزب الله للحفاظ على الاستقرار، بما يتصل أيضاً بـ"الحوار" مع الإيرانيين للبحث عن مخارج للعودة إلى المفاوضات النووية مع الأميركيين وإحياء الاتفاق النووي.

وكلّما سارت الأمور في سوريا لصالح روسيا وإيران، سيكون لفرنسا دور أكبر في المنطقة. فلا ننسى أنها هي التي اضطلعت سابقاً بمبادرات عديدة لتعويم النظام السوري، في لحظة النبذ والحصار اللذين تعرّض لهما قبل الخروج من لبنان في نيسان العام 2005 وبعده، فهي التي فكّت عزلة بشار الأسد بدعوة الرئيس ساركوزي له لزيارتها، وبدأ وقتها تحوّل في مسار السياسات، سواء أكان في مؤتمر سان كلو (2007) الذي طُرحت فيه لأول مرة مسألة المثالثة (السنية– الشيعية- المسيحية) في لبنان، وصولاً إلى تفاهم "سين- سين" (سوريا– السعودية) حول لبنان.

الرسالة الأهم التي تلقاها حزب الله من الفرنسيين، أتت بعد الهجمات التي تعرّضت لها باريس ومناطق أخرى من قبل تنظيمات إرهابية. يومها فتح الفرنسيون الباب للتنسيق الأمني والاستخباراتي مع إيران وحزب الله، للتعاون بمواجهة هذه التنظيمات. وفي إحدى خطبه خرج الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله معلناً أن دولاً أوروبية عديدة طلبت التنسيق مع حزب الله للتعاون المخابراتي بهدف محاربة الإرهاب. كان يقصد فرنسا يومها.

هذا التناغم في السياسات بين الطرفين، تحوّل إلى ما يشبه الغزل مؤخراً، وتحديداً لدى زيارة وفد من لجنتي الخارجية والدفاع في الجمعية العامة ومجلس الشيوخ الفرنسيين إلى لبنان. في اللقاء الذي عقد في مجلس النواب، كان حاضراً عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب نواف الموسوي، الذي اعتبر أن اللقاء كان مناسبة لمناقشة عدد من الموضوعات، لا سيما أن "الجمعية العامة ومجلس الشيوخ معنيان بدعم الحكومة الفرنسية وشركة توتال في وجه الضغوط التي تتعرض لها للانسحاب من الالتزام مع لبنان، أو لتأخير مواعيد التنقيب عن النفط والغاز". وفي مقابل الكلام الايجابي للموسوي تجاه الفرنسيين، كان موقف مماثل لأعضاء الوفد الفرنسي، الذين أرادوا الاستفسار عن المقولات الشائعة حول استلهام الحزب النموذج الإيراني، وعن علاقة الحزب بإيران، مع العلم أن الوفد خلال لقاءاته مع رئيسي الجمهورية والحكومة "سمع ما يختلف عما يروج عن الحزب في الإعلام الأوروبي عادة". فأسهب الموسوي في تقديم موجز عن مسيرة الحزب المقاوم منذ نشأته، لقاء إعجاب المستمعين، الذين اعتبروا ولو همساً، أنه لا بد من استكمال النقاش والتشاور مع هذا الحزب المنظّم، والذي يمكن الوثوق به لبناء تفاهمات مؤثرة وفاعلة معه.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر