الراصد القديم

2018/11/01

عُمان جسراً بين إيران وإسرائيل؟

سامح راشد
 
ليست أهمية زيارة بنيامين نتنياهو سلطنة عُمان في مجرّد حدوثها وحسب، فالاتصالات والزيارات بين إسرائيل والدول العربية تعود إلى سنواتٍ طويلة، أما هذه المرة فالزيارة على مستوى رئيس الوزراء وبشكل علني. والدولة المضيفة هي سلطنة عُمان، المعروفة بتبنّي سياساتٍ شديدة التحفظ والعقلانية والبراغماتية، وتتجنب المواقف الدعائية والتحرّكات الصاخبة. إلا أن السياسة العُمانية معروفة أيضاً بالاستقلالية وعدم التقيد بتوجهات الدول الأخرى المحيطة بها، أو بمواقف هذه الدول، سواء على المستوى الخليجي أو العربي، فقد كانت عُمان الدولة العربية الوحيدة التي لم تقطع علاقاتها مع مصر بعد "كامب ديفيد". وفي المقابل، كانت أول دولة أقرت تشريعاً يفرض عقوباتٍ على الأشخاص والكيانات التي تتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي، وذلك عام 1972. 

وفي أحيانٍ كثيرة، تسير السياسة العمانية على خطوط متوازية، تبدو في ظاهرها متعارضة، فهي دولة خليجية عربية وعضو مؤسس في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وفي الوقت نفسه، تجمعها روابط قوية مع إيران، وصلت إلى إبرام اتفاقية تعاون عسكري عام 2013. وفي اتجاه موازٍ، استقبلت عُمان اسحق رابين عام 1994، وكانت من الدول العربية القليلة التي سمحت بتبادل التمثيل التجاري مع إسرائيل في منتصف التسعينيات. وهكذا كانت مسقط دائماً غير معنيةٍ سوى بحساباتها الخاصة، وتقديراتها الذاتية لما يجب اتخاذه من قراراتٍ وخطوات. 

لو أن استقبال مسؤول إسرائيلي يعد تطبيعاً، تكون سلطنة عُمان من أولى الدول التي "طبَّعت" قبل ربع قرن، غير أن دلالات زيارة نتنياهو إلى مسقط أعمق من مجرد التطبيع أو إقامة علاقات رسمية علنية بين دولة خليجية وإسرائيل، فالزيارة تأتي في وقتٍ تستعد فيه دول المنطقة لاستقبال ما يطلق عليها إعلامياً "صفقة القرن" أو "مشروع السلام" حسب وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي. وقد أشار وزير الخارجية العُماني يوسف بن علوي صراحة إلى هذا السياق الحاكم للزيارة، بحديثه عن رغبة السلطنة في تسهيل عملية السلام، قبل أن يستدرك نافياً أن مسقط تضطلع بدور الوسيط في هذه المسألة. وهو ما يذكّر بدور مشابه قامت به عُمان سابقاً قبل التوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني، حين تعثرت عملية التفاوض، فتدخلت عُمان من دون ظهور علني في الصورة، واكتملت المفاوضات وأبرم الاتفاق. كما دخلت عُمان على خط الجهود الأممية لإنهاء الحرب في اليمن، واستضافت بعض جولات المفاوضات غير المباشرة بين الحوثيين والحكومة اليمنية.

لا جديد، إذاً، في نمط السياسة العُمانية. الجديد، فقط، في تطبيق النمط نفسه على ملف التسوية السلمية للقضية الفلسطينية. ولأن التدخل العماني دائماً مختلف، لن تقتصر تداعيات خطوة استقبال نتنياهو على الملف الفلسطيني بحد ذاته، فالمستوى الرفيع للزيارة وتوقيتها وتعمّد الإعلان عنها، كلها أمور تُنذر بقرب دخول منطقة الشرق الأوسط مرحلة الانفتاح والتقارب أو بالمصطلح المباشر الصريح "التطبيع" مع إسرائيل. 

الاختلاف الجوهري عن الاتصالات والزيارات ومظاهر التطبيع السابقة أن زيارة نتنياهو مسقط تشكل منعطفاً حادّاً نحو نقلةٍ نوعيةٍ وتحول تاريخي في منظومة التفاعلات بين دول الشرق الأوسط. تحوّل باتجاه دمج إسرائيل في المنطقة رسمياً من دون تحفظات أو قيود. واعتبارها دولة طبيعية ليست فقط مثل أي دولة أخرى، بل أقرب إلى بعض الدول العربية من دول أخرى في المنطقة، تحديداً إيران. 

ولمّا كانت عُمان، المعروفة بعلاقات وثيقة ومتنامية مع طهران، تقوم بدور العرّاب في تلك التطورات التاريخية المنتظرة، فإن ثمّة أمراً جديرا بالتأمل، هل يأتي تدشين دمج إسرائيل في المنطقة من البوابة العُمانية، كمثال جديد على النهج العُماني الذي يجمع بين المتناقضات، بالتعاون والتنسيق بين طهران وتل أبيب معاً وعلى التوازي. أم سيتضح، لاحقاً، أن إيران وإسرائيل ليستا على طرفي نقيض، كما تُظهران، ولا عداء حقيقيا بينهما من الأساس؟

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر