الراصد القديم

2018/11/01

هل تسعى أميركا للبحث عن بديل للسعودية لإتمام "صفقة القرن"؟


كريم حسامي

هناك تطوّر عبارة عن موقف سياسي كان نقطة تحوّل في المنطقة وعائق أمام المشروع الأميركي-الإسرائيلي ولم يحظ بتغطية إعلامية واسعة لأنّه لم يكن جريمة او حدث أمني يشمل إراقة الدماء، فلو أخذ التغطية الواسعة التي يستحقها من كل وسائل الإعلام لكان الرأي العام فهم خلفيّات مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي وأهدافه، خصوصاً في الشرق الأوسط.

لنتذكّر سوياً عندما بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب مساعيه لتحقيق ما يُعرف بـ"صفقة القرن" في الشرق الأوسط بمساعدة حليفته الأساسيّة السعوديّة، وتحديداً ولي العهد محمد بن سلمان الذي تولى التسويق للصفقة مع صهر ترامب ومستشاره الخاص ورئيس فريقه لعملية السلام جاريد كوشنر وحصلت لقاءات عديدة بين المسؤولين الأميركيّين والسعوديّين، فضلاً عن بعض الدول العربيّة كالأردن ومصر وغيرها.

في 23 تشرين الثاني العام 2017، نقل موقع "ميديل إيست آي" البريطاني عن مصدر دبلوماسي غربي ومسؤولين فلسطينيين، أنّ "فريقاً أميركياً بصدد وضع اللمسات الأخيرة على "الاتفاق النهائي" الذي وضعه ترامب للسلام بين الفلسطينيّين وإسرائيل والذي يعرف بـ"صفقة القرن" التي يمكن اعتبارها فكرة الرئيس بنيامين نتنياهو ويُسوّقها الأميركيّون للعرب.

وأكّد الديبلوماسي أنّ الاتفاق سيتضمّن ما يلي:

1- إقامة دولة فلسطينيّة تشمل حدودها قطاع غزة والمناطق (أ، وب) وأجزاء من المنطقة (ج) في الضفّة الغربيّة.
2- تؤمّن الدول المانحة 10 مليارات دولار لإقامة الدولة وبنيتها التحتيّة بما في ذلك مطار وميناء بحري في غزة والإسكان والزراعة والمناطق الصناعية والمدن الجديدة.

3- وضع القدس وقضيّة عودة اللاجئين سيؤجلان لمفاوضات لاحقة.

4- مفاوضات حول محادثات سلام إقليميّة بين إسرائيل والدول العربيّة، بقيادة المملكة العربية السعودية.

بقي الفريق الأميركي يجول ويصول لاشهر بين البلدان العربية ويٌفاوض على الصفقة، فاقتنع فيها السعودي، تحديداً ولي العهد، لكن كوشنر طلب من السعوديّين المساعدة في إقناع الرئيس الفلسطيني محمود عباس بقبول الخطة التي سيتم تقديمها رسمياً في أوائل عام 2018، اي في هذه المدة الزمنيّة بالذات قبل شهرين من نهاية العام.

حاول بن سلمان إقناع عبّاس بالصفقة عندما زار الأخير السعودية في 6 تشرين الثاني من العام الماضي، عارضاً زيادة الدعم المالي السعودي للسلطة الفلسطينية بثلاثة أضعاف تقريباً من 7.5 مليون دولار شهريا إلى 20 مليون دولار، وفق المصادر التي أشارت إلى أنّ "عباس رأى أنّ الخطة يمكن أنْ تكون جيّدة فقط إذا أضيف إليها عبارة "حدود 1967".

توازياً، تغيّرت العلاقات بين السعودية وإسرائيل خلال عامي 2017-2018، وقال رئيس الأركان العامة في إسرائيل غادي إيزنكوت في 16 تشرين الثاني من العام الماضي إن "البلاد مستعدة لتقاسم "المعلومات الاستخباراتية" مع السعودية، وأن البلدين لهما مصلحة مشتركة في معارضة إيران".

وكانت الولايات المتحدة تضغط كثيراً على الفلسطينيّين للقبول بالصفقة، حيث لوّحت بعقوبات ضدّهم إذا رفضوا الخطة مثل إغلاق مكتب "منظمة التحرير الفلسطينيّة" في واشنطن ووقف المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية.

"اغتيال" الصفقة

وهذا ما حصل بعدما نُقلت السفارة الأميركيّة إلى القدس في أيّار الماضي واعتراف أميركا بالقدس عاصمة لاسرائيل، ما أشعل الرأي العام العربي والعالمي، فرفض قادة مصر والأردن والرئيس عباس هذه الخطوة، والضغوط أجبرتهم على التراجع عن موقفهم المؤيد للصفقة وبالتالي رفضها.

فأوقفت إدارة ترامب اوائل تموز كل المساعدات الماليّة المباشرة للسلطة الفلسطينية باستثناء تلك المخصّصة للأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة، حتى أتى القرار المهم جداً أمس حيث قرر "المجلس المركزي الفلسطيني" إنهاء التزامات "منظمة التحرير الفلسطينيّة" والسلطة الوطنيّة كافة تجاه اتفاقاتها مع إسرائيل وفي مقدمها تعليق الاعتراف بدولة إسرائيل إلى حين اعترافها بدولة فلسطين.

وفي أواخر تموز الماضي، أي بعد نحو شهرين على اعتراف أميركا بالقدس عاصمة إسرائيل، طمأنت السعوديّة، التي كان ولي عهدها يقود المساعي الأميركيّة، حلفاءها العرب بأنّها لن توافق على أيّ خطة للسلام في الشرق الأوسط لا تعالج وضع القدس أو حق اللاجئين في العودة ما أدّى إلى تهدئة مخاوف من احتمال أنْ تؤيد المملكة اتفاقاً أميركياً وليداً ينحاز لإسرائيل في هذين الأمرين.

وقال دبلوماسيون ومحللون إنّ الضمانات الخاصة التي قدمها العاهل السعودي الملك سلمان لعباس ودفاعه العلني عن المواقف العربيّة الثابتة في الأشهر الأخيرة ساعد في تغيير تصوّرات بأنّ السعودية غيّرت موقفها تحت قيادة ولي العهد، وفق وكالة "رويترز"، وهنا المفارقة حيث تدخل الملك شخصياً بعدما كان بعيداً عن المشهد السياسي، وذلك لحساسية الموضوع اقليمياً ودولياً لأنّ السعودية ستتأثّر سلباً بنحو كبير إذا وافقت على الصفقة وتخلت عن حلفائها العرب.

وهنا بالتحديد، اعتبرت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية أنّ المملكة العربية السعودية قضت على آمال "صفقة القرن" واغتالتها بعد توجيهها رسالة قاسية إلى ترامب. وأضافت: "الرسالة التي بعثت بها السعودية حول رفضها الصفقة التي لا تعالج ملفي القدس واللاجئين الفلسطينيين، أحبطت ترامب وقضت على الصفقة".

خاشقجي

في غضون ذلك، ازدادت الضغوط على السعودية بسبب حربها على اليمن الذي مضى عليها أكثر من 4 سنوات، وحيث تعتبر دول غربيّة عدة أنّ ولي العهد فشل فيها ويجب وقفها فضلا عن وقف بيع الاسلحة التي تُستعمل فيها، وفق مصادر عدة.

حتى أتى لغز قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي اوائل هذا الشهر الذي لا تزال خلفياته واسبابه غامضة على الرغم من الاعتراف السعودي الملتبس حول القضية والذي أتى بسبب الضغط الدولي، خصوصاً الاميركي والاوروبي، على السعودية.

فترامب ضغط بشكل كبير على السعوديّين لكنْ ضمن حدود معينة لأنّه يريد الحفاظ على استثماراته فيها، كما قال هو. غير أنّ البيت الابيض أكد في بيان مساء الإثنين أنّ "أميركا تدرس عدداً من الخيارات للرد على مقتل خاشقجي، بناء على تقرير قدمته مديرة المخابرات الأميركية".

ولننظر كيف أنّ مقتل خاشقجي نقطة تحول في المنطقة، ونسرد أحداثاً تحصل منذ بداية هذا الشهر وستحصل:

- بومبيو يطلب من التحالف الذي تقوده السعودية وقف كل الغارات في المناطق المأهولة اليمنية المسيطر عليها من قبل الحوثيين.
- سيطر "داعش" مجدداً على مواقع استراتيجية في دير الزور وطردَ "قوات سوريا الديموقراطية" منها.
- زيارة أولى علنية ورسمية وتاريخية لنتنياهو لسلطنة عُمان حيث التقى السلطان قابوس بن سعيد، سبقها زيارة عباس قبل أسبوعين.
- زيارة وزيرة إسرائيلية الإمارات حيث استقبلها مسؤولون إماراتيون، وتجولت في مسجد الشيخ زايد في أبو ظبي.
- الزيارة الرسميّة الأولى لرئيس أركان القوات المسلحة الأذربيجانيّة، الجنرال نجم الدين صادقوف، الأربعاء إلى إسرائيل، للقاء نظيره الإسرائيلي غادي أيزنكوت.

- بدء العقوبات على "حزب الله" وانتظار العقوبات الأقسى على إيران بدءاُ من الأحد المقبل.

- تحذير وزير الخارجية الايرانية محمد جواد ظريف من ان العقوبات ستؤثر على النظام العالمي.

- نشر موقع "المونيتور" مقالاً كشف فيه أنّ الإصلاحيين في إيران بدأوا يشيرون إلى دعم رئيس البرلمان الحالي علي لاريجاني كرئيس مقبل للبلاد عام 2021 المتهم بمعارضة سياسات المرشد الأعلى علي خامنئي.

- إفراج تركيا عن القس الأميركي.

- نشر منظومة اس-400 في تركيا في تشرين الاول 2019، ما سيٌشكل تحدياً كبيراً لواشنطن التي ترفض هذه الخطوة.
- إبرام إسرائيل "أكبر صفقة" طائرات عسكرية بتاريخها.

- الانتخابات النصفية الاميركية غداً، حيث يتوقع خبراء أنْ يحافظ ترامب على الأكثريّة الجمهوريّة.

- انفجار الاربعاء عند مدخل مبنى ادارة الامن الفيدرالي الروسي في مدينة ارخانغلسك غرب روسيا أدى الى مقتل شخص.
- أميركا تنسحب من معاهدة السلاح النووي مع روسيا.

أما بخصوص التطورات الأخرى:

- في أواخر أيلول سلمت روسيا سوريا صواريخ "أس 300" بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية، ما أغضب إسرائيل وأميركا. ومنذ ذلك الوقت، أُغلق المجال الجوي السوري على إسرائيل ولم تُنفّذ أي غارة منذ شهر في سوريا.

- تهديد اسرائيل "حزب الله" بضرب مواقعه في لبنان الذي تتحكم فيه سياسة المحاور على كل الصعد السياسية.
- تقرير لخبراء إسرائيليين يتوقعون فيه حرباً كبرى في الشرق الأوسط عام 2019.

في خضم هذه التطورات، يمكن طرح الاسئلة التالية: هل موقف الملك سلمان الرافض لـ"صفقة القرن" كانت مقدمة للتضحية بشخصية كبيرة مثل خاشقجي لعزل السعودية والبحث عن بديل لها من اجل اتمام صفقة القرن التي بدأت معالمها بالظهور رويداً رويدا؟

ولدى عُمان علاقات جيّدة مع كل الدول والأطراف، بينها سوريا وإيران و"حزب الله" و"حماس"، وزيارة نتنياهو لسلطنة عُمان تم التحضير لها قبل 4 اشهر، فهل تعطي اميركا عُمان الدور وإمكان أن تصبح قناة سرية لإسرائيل لشمل سوريا وايران في الصفقة؟
أم ان منطقتنا مقبلة على حرب شاملة كما حصل بعد أحداث 11 ايلول، فتُغير المعادلات وتُطبق الصفقة لتشمل الجميع؟

اكد ترامب الترشح لولاية ثانية عام ٢٠٢٠، فهل يصر على انجاز صفقة القرن لكي يُعاد انتخابه بدعم اسرائيلي كبير بسبب ما حققه لهم؟ وعلى الرغم ان العوامل المالية والاقتصادية هي التي تحكم اوضاع العالم والمنطقة وتُحدد السياسات الاميركية المتبعة عموما، يمكن الاشارة الى الاهمية في وجود النفط والغاز على السواحل اللبنانية والسورية والقبرصية، ما يٌعتبر فرصة ذهبية لاسرائيل واميركا للانقضاض عليها باي طريقة كانت.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر