الراصد القديم

2018/11/01

اغتيال المهدي بن بركة: تصفية ثورة العالم الثالث



لينا كنوش

بعد ثلاثة وخمسين عاماً من اغتيال زعيم اليسار المغربي، الرمز الثابت لمقاومة النظام الإمبريالي، تواصل عائلته المطالبة بالرفع الكامل عن «السرية العسكرية»، التي تمثل عائقاً أمام معرفة حقيقة مصير المهدي بن بركة، والمسؤولية المشتركة بين فرنسا والولايات المتحدة. بعد أكثر من نصف قرن على الجريمة الدنيئة، لم توضح العدالة الفرنسية المسألة حتى الآن، ولم تحدد المسؤوليات الفردية عن هذه العملية، التي خططتها بعناية الأجهزة الخاصة التابعة للملك الحسن الثاني، بتواطؤ نشط من الشرطة الفرنسية ورجال عصابات فرنسيين، وبتشجيع من الأجهزة الاستخبارية الأميركية والإسرائيلية.

حتى الآن، تصطدم إحدى أقدم قضايا الاغتيال السياسي المعروضة على المحاكم، بقانون الصمت الذي يسمح به «إساءة استعمال مفهوم السرية العسكرية لمنع العدالة الفرنسية من النفاذ إلى أرشيفات الأجهزة السرية الفرنسية»، كما ذكر بشير بن بركة، في أيلول الماضي، على أمواج إذاعة فرنسا الدولية. مع ذلك، عرفت القضية انتعاشاً غير مسبوق في العام 2001، عندما كشف عنصر متقاعد من الأجهزة المغربية الخاصة، في شهادة أدلى بها للصحافة، ارتباطها بالـ«سي آي أي»، التي كان أعوانها حاضرون على نحو دائم في مقر الشرطة الموازية الموكول إليها تنظيم اختطاف المهدي بن بركة.

بعد عام واحد من ذلك، كرّر أحمد بخاري هذا الادعاء في كتاب «السرّ: بن بركة والمغرب، عنصر سابق في الأجهزة الخاصة يتحدّث» (بروشي، شباط 2002)، الذي يروي فيه المطاردة الطويلة لبن بركة منذ وصوله إلى أورلي، حتى نقله إلى الفيلا التابعة لجورج بونساش، الواقعة في ضاحية فونتيناي لو فيكونت، أين تم تعذيبه واغتياله على الأرجح.

في واقع الأمر، لم يكن بن بركة مجرد معارض يساري مغربي بسيط، فقد تساءل عن سلوك المغرب في «حرب الرمال» التي شنتها المملكة على الجزائر المستقلة حديثاً عام 1963، وهو وجه ثقافي وسياسي رمزي للحركة المعادية للاستعمار والعمود الفقري لتجمع حركات القارات الثلاث (آسيا، أفريقيا، أميركا اللاتينية). وقد صرنا نعرف، منذ منتصف السبعينيات، أن الولايات تتبعت عن كثب أنشطة بن بركة، بصفته رئيس اللجنة التحضيرية لـ«مؤتمر القارات الثلاث».

وإجابة على طلب صيغ عام 1976 في إطار «قانون حرية المعلومات»، اعترفت الإدارة الأميركية بامتلاكها حوالي 1850 ملفاً حول بن بركة، ما يعني أنه حظي باهتمام تجاوز ذلك المكرس لتشي غيفارا، الأيقونة الثورية، ولم يُفرج حتى الآن عن تلك الملفات، على رغم إزالة السرية عن كثير من الوثائق الخاصة بعمليات الـ«سي آي أي» المنجزة خلال الخمسينيات والستينيات، وبخاصة مشاريع اغتيال فيدل كاسترو وباتريس لومومبا.

وقد قدمت الـ«سي آي أي» الدعم اللوجستي للأجهزة المغربية الخاصة، وتورطت في مطاردة بن بركة، مدفوعة بإرادة كسر الزخم الثوري للقارات الثلاث، ممثلاً في «مؤتمر التضامن مع شعوب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية»، الذي عقد عام 1966 في هافانا، لكن التصفية الجسدية لأحد أهم مهندسيه، أبطأت في شكل حاد تقدم تأسيس جبهة موحدة تعارض الهيمنة الإمبريالية واستعباد شعوب العالم الثالث.

وإن كان لـ«مؤتمر باندونغ» عام 1955 أهمية بالغة في وعي شعوب أفريقيا وآسيا، بضرورة التنظيم لكسر طوق الإمبريالية والاستغلال الاستعماري الجديد، وأن هذه الصحوة قادت فعلياً إلى بعث «منظمة تضامن الشعوب الأفرو-آسيوية»، فقد لعب تأثير المهدي بن بركة دوراً مهماً في قرار مدّ التضامن نحو أميركا اللاتينية. فقد قاده اقتناعه بأهمية توحيد القدرات التحريرية لجميع شعوب العالم الثالث، إلى العمل على رفع حاجز العداوة الصينية –السوفياتية، ودمج القارة الأميركية اللاتينية في منطق التقارب الذي تحقق أخيراً خلال المؤتمر الثالث لـ«منظمة تضامن الشعوب الأفرو-آسيوية» في مدينة موشي عام 1963.

في كتابه «بن بركة، الحسن الثاني، دو غول: ما أعرفه عنهم» (كارتالا، 2010)، يُذكّر المحامي والكاتب الفرنسي موريس بوتان، أنه قبل شهر واحد من اغتياله، تواجد المهدي بن بركة في كوبا لإجراء حوارات مع فيدل كاسترو في إطار تحضير «مؤتمر القارات الثلاث» المبرمج عقده في هافانا. وقد تمحور برنامجه حول عدة نقاط أساسية لرفع نير الاستعمار الجديد والإمبريالية المسلطة على العالم الثالث. أوصى بن بركة بتوحيد جميع حركات الصراع من أجل الاستقلال، متجاوزاً بشكل كبير إطار «مؤتمر باندونغ»، ونادى بتدعيم التضامن بين دول العالم الثالث والنضال ضد الأبارتايد (خصوصاً في جنوب أفريقيا) والاستعمار الجديد والإمبريالية، وأكد ضرورة القطع مع منطق الاعتماد المرتبط بالنظام الرأسمالي.

كان يمكن لهذا التقارب بين مختلف حركات التحرر في العالم الثالث، الذي عمل عليه بن بركة بلا كلل، أن يمثل خطراً حقيقياً على الولايات المتحدة وحلفائها، الذين كان هدفهم في حينها، العمل معاً لإبقاء بلدان العالم الثالث في حالة تخلف وضعف هيكلي. لقد دفع بن بركة حياته من أجل برنامج استقلال الدول المستغلَة، وقد أضعفت تصفيته الجسدية مستقبل مؤتمر القارات الثلاث بشكل قاتل.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر