الراصد القديم

2018/12/01

كاسترو.. صبر لا يُقهَر؟


نظام مارديني

مرت أمس الذكرى الثانية لرحيل «أبو الثوار وملاك الفقراء» فيديل كاسترو، بعدما توقف صهيل الخيول الكوبية، وذلك بعد تسعين فانية قضاها في مواجهة الهيمنة الخارجية التي تمثلها الولايات المتحدة الأميركية، التي فرضت في عهد جون كينيدي في شباط 1962 حظراً تجارياً ومالياً على كوبا، لا يزال ساري المفعول حتى الآن ويؤثر بشدة على اقتصاد كوبا رغم سلسلة من إجراءات التخفيف التي اعتمدتها إدارة الرئيس باراك اوباما، بعد عودة العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين في تموز من العام 2015.

فهل كان كاسترو يحمل قائمة بمحاولات الاغتيال التي تعرّض لها خلال سنوات عمره، بين محاولة قتله بقناصة، وما بين حشو سيجاره الخاص بالمتفجّرات، ودسّ السم له في كأس البيرة، أو عبر كريم للشعر.. هل حمل هذه القائمة الثقيلة للاغتيالات حاولت المخابرات الأميركية اغتياله 638 مرة، بحسب موسوعة غينيس في عقله، كما احتفظ الفيلسوف كانط بقائمة الموتى في جيبه؟
ولكي يحظى بأن يكون القدوة في الثورة على الموروث القائم في مجتمعه، ثار كاسترو على إرث عائلته التي كانت من ملاكي الأراضي من ذوي الأصول الاسبانية، وقد فاجأ حتى أنصاره بتقرّبه من موسكو بعيد توليه الحكم في كانون الثاني 1959.

وفي تشرين الأول 1962 وقعت ازمة الصواريخ التي تسبب فيها نصب صواريخ نووية سوفياتية في كوبا، ما ولد مزايدات وضعت العالم على حافة الحرب النووية. وقررت واشنطن فرض حصار بحري على كوبا، وانتهى الأمر بسحب موسكو صواريخها مقابل وعد أميركي بعدم غزو كوبا.

دفع كاسترو، رفيق سلاحه القائد الثوري الأرجنتيني ارنستو تشي غيفارا، لأن يكون بطل تصدير الثورة الماركسية في أميركا اللاتينية، وكذلك في أفريقيا، خصوصاً في أنغولا التي انخرطت فيها قوات كوبية لمدة 15 عاماً.

وأثارت تلك الثورة حينها نوعاً من الإعجاب، وافتخر النظام الكوبي بأنه قضى على الأمية وأقام نظاماً صحياً ناجعاً وفي متناول جميع سكان كوبا البالغ عددهم 11.1 مليوناً، وهو إنجاز نادر في بلد فقير في اميركا اللاتينية.

لكن انهيار الاتحاد السوفياتي، أهم ممول لكوبا، في 1991 سدّد ضربة قوية للاقتصاد الكوبي. وواجه السكان نقصاً كبيراً في الغذاء. واعلن كاسترو عندها ما أسماها بـ «فترة خاصة في زمن السلم»، ما دفع البعض إلى التكهن بنهاية نظامه.

غير أن كاسترو بقي بطل الانبعاث السياسي، وجد مصدراً جديداً للدخل مع السياحة، وخصوصاً مع حليفين جديدين هما الصين وفنزويلا في عهد الرئيس هوغو تشافيز الذي قدّم باعتباره «الإبن الروحي» لكاسترو.

أبقى كاسترو حياته الخاصة في منأى عن الأضواء.. رغم مواقفه الصاخبة وخطبه المطوّلة بزيّه العسكري الأخضر الزيتوني وسيجاره ولحيته الأسطورية..

ورغم أن سجل كاسترو في المجال الحقوقي لم يكن ناصعاً، مثله في ذلك مثل الكثيرين من أصدقائه وأعدائه على حد سواء، فقد كانت له إنجازات مهمة بدأها بالإصلاح الزراعي ثم الرعاية الصحية للجميع ومحو الأمية.

أجبره المرض على البعد عن الأضواء قبل أن يعاود الظهور على استحياء عبر استقبال بعض الشخصيات الدولية وكتابة بعض الأفكار والتأملات في الصحافة الكوبية، حتى حانت لحظة النهاية للرجل الذي لخص صديقه الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز أبرز صفاته قائلاً «صبر لا يُقهَر، وانضباط حديدي، وقوة مخيلة تسمح له بقهر أي طارئ».

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر