الراصد القديم

2018/12/01

عودة «صفقة القرن» ونظرة على واقع متناقض ومرتبك


 محمد عبد الحكم دياب

لا يشك أحد في أن الهدف من «صفقة القرن» هو تصفية القضية الفلسطينية، وتأجيج مزيد من الفتن والتفتيت والاقتتال.. وهي بهذا المعنى نكبة ذات أبعاد شاملة؛ وطنية وقومية وسياسية وثقافية وروحية وإنسانية، ويجب أن يرتقي الموقف منها إلى مستوى معاكس لها؛ خاصة إن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان منساق وراءها ومقر بها، وللتخفيف من وطأتها يصورها مجرد أزمة إنسانية وطبيعية، فيبرئ صناعُها من مسؤوليتهم التاريخية والسياسية والأخلاقية عن جريمة شنعاء لا تسقط بالتقادم.. واعتمد بن سلمان على خلط الأوراق، وطمس وقائع التاريخ المروي والمدون والمعتمد، فيتماهى مع المشروع الصهيوني، ويتبناه كحل لا فكاك منه.

ومن ناحيته يختزل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نكبة فلسطين؛ مع اتساعها وشمولها «القارة العربية» بين المحيط والخليج، وما يحدث لتلك الرقعة المحصورة بمحافظة غزة، وما حدث لكل فلسطين قبلها لم يكن بحال كارثة طبيعية؛ نتجت عن إعاصير أو فيضانات وطوفان أو زلازل وبراكين، أو ما شابه؛ نكبة نفذها غزو وإرهاب وعدوان مسلح صنعته حقبة استعمارية لم تنته بعد، ونفذها عصابات منظمة.. عنصرية.. استعمارية.. توسعية.. غاشمة؛ اغتصبت الأراضي وغيرت معالمها، ودفعت سكانها للفرار والهروب إلى ملاجئ ومنافي لأكثر من سبعين عاما.

ومع ذلك عرف الفلسطينيون طريقهم، وجددوا وأبدعوا في طرق وسبل الصمود والمقاومة.. استعدادا للحظة قادمة يجب الإمساك بها لإعادة «القارة العربية» إلى عمق وامتداد لقوى المقاومة بكل أشكالها ودرجاتها، وأهل غزة ضربوا الأمثال الأسطورية في الجَلَد والتحمل، وفرقوا بين الصديق والعدو والمتردد، وبين من مع ومن ضد، وبين من هو بَيْن بَيْن؛ قارعوا الاحتلال وواجهوا الحصار، وصبروا على ظلم الأشقاء، وتآمر الحكام، واستمروا قابضين على جمر المقاومة والذود عن المقدسات؛ لا يتنازلون عن القدس، ويرفضون «الوطن البديل»، واستبدال الأراضي والسكان مقابل مشروعات وهمية مُلَغومة ومسمومة.

ويعود الحديث عن صفقة القرن مجددا؛ في ظروف مرتبكة ومأساوية على كل الجبهات، وأخطرها جبهة البيت الأبيض، وموقف ترامب الذي ندد بمقتل جمال خاشقجي، ووصف توابع الجريمة السعودية بـ«أسوأ عملية تستر في التاريخ»، ثم عاد ووصف السعودية بـ«الحليف الرائع»، في تناقض واضح مع ما أعلنته المخابرات الأمريكية، على لسان كبار مسؤوليها بتورط بن سلمان فيما حدث لخاشقجي. وخاطر ترامب بالصدام مع أجهزة الأمن والمخابرات. وعزل نفسه داخليا وخارجيا

من جهة أخرى قد تُجْهض جريمة مقتل جمال خاشقجي صفقة القرن؛ حسب تقرير لوكالة «اسوشيتد برس» الشهر الماضي جاء فيه: «إن مقتل خاشقجي يهدد خطط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الطموحة في الشرق 

الأوسط»، وتضع حدا لصفقة القرن لدور بن سلمان الرئيسي في توفير «الغطاء الدبلوماسي» لطرفي النزاع.

وأشار نفس التقرير إلى ترجيح مراجعة ترامب لاستراتيجيته الشرق أوسطية، وجاء على لسان السفير الأمريكي لدى تل أبيب في عهد أوباما، دان شابيرو، بأن مقتل خاشقجي عَقَّد خطط ترامب بشأن صفقة القرن؛ «إن كانت موجودة في الواقع» حسب قوله. وأضاف حتى لو أن الرياض استمرت في التمسك بها؛ اعتمادا على ما كان من قدرة لبن سلمان على كسر المحرمات والضغط على الأطراف الفلسطينية بتقديم تنازلات مطلوبة لإنجاح الصفقة؛ هذه القدرة تلاشت.

وتَبَنِّي ترامب لصفقة القرن أسقط حل الدولتين؛ معوّلا على المال السعودي والوزن النفطي للرياض لتمريرها، ومعتمدا على مستشاره وصهره جاريد كوشنر، وعلاقاته الشخصية بابن سلمان، التي وطدتها زيارة سرية للرياض العام الماضي، وبدا ذلك غير ممكن الآن. وكان موقع «ميديل إيست آي» البريطاني قد أفصح عن ذلك في تشرين الثاني/نوفمبر 2017؛ حسب مصادر غربية وفلسطينية حصرت عناصر الصفقة في:

1 ـ إقامة دولة فلسطينية تشمل قطاع غزة والمناطق (أ، وب) وأجزاء من المنطقة (ج) في الضفة الغربية.

2 ـ توفر الدول المانحة 10 مليارات دولار لإقامة الدولة وبنيتها التحتية بما في ذلك مطار وميناء بحري في غزة وإسكان وزراعة ومناطق صناعية ومدن جديدة.

3 ـ تأجيل قضايا وضع القدس وعودة اللاجئين لمفاوضات لاحقة.

4 ـ بدء المفاوضات حول محادثات سلام إقليمية بين تل أبيب والدول العربية، بقيادة المملكة العربية السعودية.

وأشار تقرير «اسوشيتد برس» السابق ذكره إلى أن «إحلال السلام» بين الفلسطينيين والدولة الصهيونية يسمح لترامب بإقامة تحالف من تل أبيب والرياض وأبو ظبي والقاهرة لمحاربة إيران برعايته، وهو تحالف يواجه برفض رسمي فلسطيني للدور الأمريكي؛ ردا على اعتراف ترامب بالقدس عاصمة للدولة الصهيونية، وبسبب حرب السعودية ضد اليمن، وخلافها مع كندا، وحصارها لقطر.

وأكدت مصادر أمريكية مطّلعة على الحرص على إتمام صفقة القرن، ونفي أي تأثير لمقتل خاشقجي عليها، وأشارت نفس المصادر إلى أن الفريق المختص لم يبحث الموضوع منذ الاعتراف الرسمي بالجريمة، وأشار موقع دويتشه فيله DW الألماني إلى «فيتو» سعودي ضد «صفقة القرن» (بتاريخ 01/08/2018)، ورَفْض الملك سلمان لصفقة لا تلبي المطالب الفلسطينية، مع إدراك طبيعة التحديات، التي قد تؤدي لإتمام «الصفقة» دون ضوء أخضر عربي.

وتجدر الإشارة إلى أن مشروع «نيوم» استهدف فتح صفحة جديدة مع الدولة الصهيونية.. وتحسين العلاقات العربية ـ الصهيونية، خاصة وأن جزءاً من المشروع سيقام في صحراء سيناء. وأوردت تقارير صحافية صهيونية اهتمام شركاتها بالمشاركة فيه، وسبق وصرح «لورام ميتال»، الباحث بجامعة بن غوريون، لصحيفة بلومبيرغ الأمريكية إن (إسرائيل) ستشارك في المشروع، و«اتفاقية السلام» مع القاهرة تضمن للدولة الصهيونية منفذاً في البحر الأحمر، وتأكد ذلك منذ تنازل «المشير السيسي» عن جزيرتي تيران وصنافير اللتين سيعبُر فوقهما جسر «نيوم». ويرتبط نجاح المشروع بتنفيذ صفقة القرن، ومَهَّد بن سلمان لذلك برسائل دافئة لتل أبيب؛ اعترف فيها بحق (إسرائيل) في الوجود، وهو تطور إضافي إلى العلاقة السعودية القوية بالدولة الصهيونية.

وليس في مقدور الملك سلمان ولا ولي عهده المخاطرة برفض صفقة القرن، وأشار الموقع إلى تحول كبير في نهايات شهر تموز/يوليو (2018) الماضي؛ حين نقلت الصحافة السعودية على لسان الملك رفض «صفقة القرن» ما لم تتضمن القدس الشرقية عاصمة لفلسطين، وما لم تلتزم بعودة اللاجئين، وبمبادرة السلام العربية لعام 2002. وحسب تصريح السفير الفلسطيني في الرياض لوكالة «رويترز» فإن الملك سلمان أبلغ الرئيس عباس بأنه لن يتخلى عن الفلسطينيين، ويقبل ما يقبلون ويرفض ما يرفضون.

ولفت الموقع الألماني إلى ما نشرته مجلة «ذا نيويوركر» من قَبْل، باستعداد القادة العرب لدعم الخطة الأمريكية لكنهم تراجعوا، لما تبيّنوا أن نقل السفارة الأمريكية للقدس أثار تنديداً شعبياً واسعاً، وكشفت وسائل الإعلام قبل أشهر عن ضغط بن سلمان على الرئيس الفلسطيني لتأييد الخطة الأمريكية، وجاء موقف الملك سلمان فأوضح أن السعودية غير مستعدة لحلٍ لم تقبل عواصم غربية؛ عارضت نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

وتساءل مراقبون عن اهتمام ترامب بغزة، وكأنه لا يعلم عنها شيئا، وواقع الحال أنها مناورة لكسب الوقت تمريرا للصفقة. 

هل تابع أحد واقعا أكثر تناقضا وارتباكا من هذا الواقع؟!

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر