الراصد القديم

2019/01/31

فرنسا بين الإحتجاجات والانتلجنسيا

أحمد البهائي

من المقرر أن يلقي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خطابا اليوم الاثنين من المتوقع أن يعلن خلاله عن تدابير تتخذها الحكومة الفرنسية ردا على مطالب المحتجين ، فقد شهدت فرنسا أربعة أسابيع من الاحتجاجات العنيفة قامت بها حركة شعبية لا ترتبط بأي طرف(السترات الصفراء) ضد رفع ضريبة الوقود، وتكاليف المعيشة وغيرها من القضايا ، ومن المقرر أيضا أن يلتقي الرئيس ماكرون بممثلين عن النقابات العمالية ومنظمات أرباب العمل، في محاولة لنزع فتيل أسابيع من الاضطرابات في باريس ومدن أخرى.
تستمد الانتلجنسيا الفرنسية أهميتها في التركيب الطبقي الاجتماعي في فرنسا وفي الحركة الوطنية ، من أنها تمثل العمود الفقري للطبقة المتوسطة بكل ما تمثله هذه الطبقة في فرنسا من وزن سياسي واجنماعي وعقائدي ، فهى قطاع عريض يشمل الطلبة والموظفين وأصحاب المهن الحرة من المحامين والمهندسين والاطباء والصحفيين وأساتذة الجامعات والمحاسبين وغيرهم ..، ففي فرنسا يمكن ان نقسم الانتلجنسيا الى جناحين ، الجناح الاول انتلجنتسيا البورجوازية الصغيرة والجناح الثاني والاهم انتلجنسيا النخبة او المثقفة ، لما له من دور في الربط بين اقسام الطبقة المتوسطة وهندسة أفكارها ، ليس ذلك فحسب بل القدرة على توصيل المتطلبات والمفاهيم من والى جميع الطبقات بكل شرائحها، فقد شهد في السنوات الاخيرة ضعف هذا الجناح الاخير،ولقد ترتب على ضعف هذا الجناح ، أنه لم يستطع أن يمثل في فرنسا الان ما كان يمثله من قبل ، أي لم يستطع أن يقوم بدوره التاريخي ، لقد كان يمثل عصب الطبقة المتوسطة ومركزها في فرنسا ، ويجعلها تعادي بطبيعتها التطرف السياسي سواء الى اليمين أو الى اليسار ، والوقوف الى جانب الفكرة القومية في مواجهة فكر التطرف ، والى جانب مبادئ الديموقراطية في مواجهة الاوتوقراطية تكون فيه السلطة السياسية بيد شخص واحد بالتعيين لا بالانتخاب ، والى جانب العدالة الاجتماعية في مواجهة الظلم والاستغلال ، وبالتالي كانت تعد السند الطبيعي للحكم الديموقراطي الليبرالي ، وبمعنى أدق كانت انتلجنتسيا النخب أو المثقفة هي العمود الفقري للحكومات المعتدلة، لنقول أن ما يحدث في فرنسا هو أت نتيجة ضعف وإنحسار دور هذا الجناح .

الطبقة حسب التقليد السوسيولوجي يقصد بها ، جموع الأشخاص ، التي تتحدد بالرجوع الى المكانة التي تشغلها في التنظيم الأقتصادي ، وفق معايير الوظائف ، والوضع ، والوعي ، والشروط الإجتماعية المتشابهة ، فالطبقات ، هي التجمعات القائمة على المصلحة المادية من جهه ، والسلطة من جهة اخرى ، والمكانة في نظام الإنتاج ، ومدى تأثيرها في الإقتصاد والمجتمع ، ومن هنا يقسم المجتمع بمفهومه الكلاسيكي الى ثلات طبقات ، الفلاحين ، وطبقة الحرفيين ، وطبقة الملاكيين . وبناء على هذا التكوين الإجتماعي وتلك التعريفات وما أتبعها من تقسيمات ، فهناك من يملك ، كذلك من لايملكون ، وترتب على ذلك صراعا طبقيا بين من يملك ومن لا يملكون ، ذلك الصراع الذي دام طويلاَ ، الذي اتسم بالحدية والعنف ، الى أن جاء كارل ماركس وبدون قصد أهدى البورجوازية الكبيرة بنظريته المعروفة القائمة على " العلاقة الجدلية بين البناء أو الأساس المادي و البناء الفوقي للمجتمع "، السبيل والطرق لكيفية الحد من هذا الصراع وكيف يمكن ترويض هذا الصراع بل وتطويعه في خدمة أغراض البورجوازية ، حيث أرجــع مــاركس وجــود الطبقــات إلى العامــل المــادي الــذي يقســم المجتمع إلى طبقتين اجتماعيتين ،طبقة تملك وسائل الإنتـاج وهـي الطبقـة المسـيطرة وطبقـة لا تملـك وسـائل الإنتاج وهي الطبقة العاملة ، ورأى أن المجتمع الرأسمالي يقوم على فكرة أن أصحاب العمل يمتلكون وسائل الإنتــاج مقارنــة بالطبقــة الأخـرى الــتي لا تملــك وســائل الإنتــاج ، ورأى أنــه يجــب التمــرد علــى هــذه الوضــعية وإعلان الثورة وإسقاط المجتمع الرأسمالي ، والثورة عند ماركس هي تغيير شامل يعتري النظام والمؤسسات الفوقيـة والتحتيـة، تقـوم بها الطبقة المظلومة أي الطبقة الكادحة العمالية نتيجة تعرضها للاستغلال والظلم ، مؤكدا ان الثورة لكي تنجح يجب أن تتميز بأسلوب القوة والعنف ضد مصادر التخلف والشر حسب نظريته ، وهنا وضعت البورجوازية يدها على الضالة الغائبة ، بعد أن تمعنت كثيرا في نظرية ماركس ، ولما لا حيث يمكن علاج السم بالسم نفسه، وبجرعات هي من أوجدتها وتمتلكها وكذلك تتحكم فيها ، حيث أيقنت البورجوازية أن الماديـة والنزعــة الحتميــة الاقتصــادية هـي لـب الصراع ، وأن البنـاء المـادي للمجتمــع (مــوارد طبيعيـة و بشـرية و مصـادر و وسـائل اسـتغلاله للطبيعـة) يحـدد ماهيـة البنـاء الفـوقي للمجتمـع الـذي هـو الأفكار والايديولوجيا والفلسفة والدين ... أو أنه بتغير البناء الفوقي يتغير البناء الاجتماعي ويتغير المجتمع ويدخل في مرحلة جديدة ، وأن الواقع الاقتصادي والاجتماعي يجدد الوعي وليس العكس ، وعزز ماركس للبورجوازية مفهومهم للصراع عندما استخدم مصـطلح الاغـتراب الاجتمـاعي لتفسـير عوامـل المنافسـة والصـراع والتنـاقض بـين طبقـات المجتمـع ، "والاغـتراب بـالمفهوم الماركسـي هـو ظـاهرة اجتماعيـة يشـعر فيهـا الإنسان مغتربا وبعيدا عن الشيء الذي أوجده وخدمه وضحى من أجله ، يشعر العامل مثلا مغتربـا عـن رب العمل أي يشعر بالحواجز النفسية والاجتماعية التي تفصله عنه كما يشعر بالاغتراب عن السلعة التي أنتجها وخلقها وصرف الجهود والأتعاب عليها طالما انها لا تعود إليه بل تعود إلى رب العمل الذي يمتلك وسائل الإنتاج "، ومن هنا أدركت البورجوازية أن الصراع الطبقي قائما طالما الرأسمال الاقتصادي موجود ، وبداية لعلاج ذلك ومع الحفاظ على الرأسمال الاقتصادي وتغذيته ونموه ، وضعت نموذج التــدرج الطبقــي داخل الطبقة الواحدة اعتمـادا علــى المهنــة أو الــدخل وحــتى المكانــة الاجتماعيـة والسـلم القيمـي الـذي لا ينفصـل كثـيرا عـن السـلم الطبقـي التقليـدي ، كذلك ادركت ان ثمة رأسمال آخر، ومن الملفـت للانتبـاه أنـه يشـرع التمـايز حـتى داخـل الطبقـة الواحـدة دون أن يثـير حساسـية كبيرة هنـا أو هنـاك عرف بـ الرأسمـال الرمـزي " وهـو ذاتـه " الرأسمـال الثقـافي " الكـائن مقابـل الرأسمـال الاقتصـادي هـذا الرأسمـال بمختلـف مكوناتـه يجعـل الصـراع الاجتمــاعي الطبقي قائما ليس على أساس التنافس على فائض القيمة بل على استملاك كل الثروات المادية والرمزية ، ومن هنا وبعد أن اصبح الصراع مكشوفا بفضل تلك التفسيرات النظرية والعملية ، وحتى تستطيع البورجوازية الإمساك بخيوطه ، اخترعت ما يعرف بالصالونات ، حيث سمحت لعناصر منتقاه الإنضمام فيها يمتلكون القدرة على تحقيق فكرتها وهدفها ، والتي استطاعت من خلال تلك الصالونات صنع جماعات وسطية كل ما تملكة الفكر والثقافة ، ولكنها في الحقيقة طامحة الى الثروة والتملك ، وبالفعل وجدت فيهم المبتغاه لتخفيف حدة الصراع بل وترويضه ، وليزداد النجاح فتح من خلال تلك الجماعات باب الإنضمام لها لكل من التقنيين ومستخدمي المكاتب والتجار وصغار التجار والمدرسين والمحامين والمهندسين والاطباء والصحفيين والكتاب ، وحتى يكون الوضع لائق أطلق عليها انتلجنسيا الشعب ، لكن مع التحول من الرأسمالية الليبرالية إلى الرأسمالية الاحتكارية ، ظهرت تحولات مماثلة في التكوين الطبقي للمجتمع بكل أجنحته ، وخاصة في جناح إنتلجنسيا ، ولم يعد النجاح مرتبطا لديها بتوسع الملكية والثروة فقط التي تتكون تحت أعين البورجوازية الكبيرة وبرضاها ، بل بالصعود الوظيفي في درجات محددة ، وهذا ما فعلته وعملت على تغذيته البورجوازية الكبيرة ليصبح النجاح لدى الكثيرين تسلقا وتحولت المنافسة إلى وصولية وانتهازية. وبعد أن كان المشروع الخاص و عمل المرء في ملكيته الخاصة تحقيقا للذات و دخولا في مغامرات و مخاطرات و قياسا لبطولة المرء و شجاعته، أصبح السلك الوظيفي العام والخاص والترقية هو في المقام الاول والذي سيفتح ابواب ومجالات لحسابات دقيقة سعيا وراء الثروة ، لتتحول الصالونات الى ما يسمى " بالأحزاب " .

فالأحزاب صنعت كوسيلة أو ترسيمة ، من قبل المالكيين الكبار اي البورجوازية الكبيرة للتخفي والتستر ، بفضل القوة الإقتصادية والاجتماعية والسلطة السياسية ، ليمارس المالكيين من خلال الاحزاب وبواسطتها طقوس الحياة البورجوازية بكامل الإرتياحية ليقدم فيه الفقير كقربانا على مذبح صنع على ايديهم ( البرلمانات ) أركانه حسب بناء البورجوازية ووصفها ، قائم على التجانس الديموغرافي في الطبقات ، والحظوظ النسبية ، ونهاية التصويت الطبقي ، وفردنة أساليب الحياة ، لتبقى البورجوازية الكبيرة بيدها الاقتصاد والمجتمع والسياسة لتصبح الحاكمة الامرة الناهية بيدها مقاليد كل شئ ، هذا ما يمكن اسقاطه على الواقع الفرنسي اليوم بكل أبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر