الراصد القديم

2019/01/31

في الذكرى الثامنة للفوضى العربية الخلاقة...


زياد هواش

لم تعد الكتابة تجدي نفعا لأن الناس بعد أعوام الفوضى لم تعد تحمل أي أمل او رغبة او مشاعر او هدف او هوية او بقايا هوية

فَقَد النظام الرسمي العربي الجمهوري ميزاته القليلة الترويجية والعبثية (الأمان الاقتصادي والاجتماعي) ولم يبقى منه الا الأساليب الستالينية الاستبدادية المتعفنة والصدئة.

بعد حوالي النصف قرن على انهيار النظام البرجوازي_الاقطاعي الوطني في جمهوريات الاستقلال العربي الغضة والطرية ووصول الطبقة الكادحة والفقيرة الى السلطة متمثلة بالجيوش الوطنية تحت خدعة الاشتراكية وقناع الحرية وأكذوبة الوحدة، وصلت شعوب هذه الكيانات ومجتمعاتها الى الكارثة الأمنية والمأساة الاقتصادية.

إذا كان النظام الاقطاعي الطبيعي قد عطل حركة التاريخ الحتمية خلال الخمسة الاف عام التي حكم فيها المنطقة والاقليم فان النظام الجمهوري العربي الاشتراكي الافتراضي قد دمر خلال خمسين عاما فقط من (حكم غوغائي عبثي دموي رهيب) مستقبل المنطقة والاقليم لخمسة الاف سنة قادمة.

كالعادة لم نتفق على شيء، في المنطقة العربية المصابة بلعنة السلطة، هل هو ربيع او خريف، هل هي ثورة وتغيير او فوضى وسعار، هل هو حراك شباب واعي او خدعة مواقع تواصل اجتماعي، هل هي حركة اقتصادية انسانية طبيعية او مؤامرة إسلاموية استعمارية مدبرة وخبيثة، هل وهل وهل...!

من الطبيعي اليوم ان نخرج كعقلاء وانسانيين وفقط من لعبة الكراسي النخبوية الموسيقية الطفولية والعدائية، او من اسلوب الجدل النسقي التراتبي الغبي احادي الاتجاه، ومن تحليل وقراءة وتفكيك ظاهرة خلافية غامضة ومعقدة ومستمرة ومتغيرة، الى الاعتراف الأخلاقي والعلمي بنتائجها التي نعيشها الان.

في تونس، الديمقراطية لم تحقق أي تغيير اقتصادي او اجتماعي او سياسي او ثقافي بل انحدرت بالناس نحو الهويات الأصغر والانتماءات الاضيق والتوجس الأمني والقلق الاقتصادي والتفكك الاجتماعي في ظل صراع أولغارشي على السلطة بين تيارات وكيانات وتنظيمات لا أصول لها ولا جذور لها ولا حتى شعارات.

في ليبيا، عبّرت الفوضى عن ابعادها ومحاورها الناظمة لحركتها واساليبها في الوصول لأهدافها بكل الوضوح الوقح والشفافية الفاجرة، ليس انتداب او وصاية أوروبية تقليدية بشرعية الأمم المتحدة، بل غزو استخباراتي قذر ونهب أولغارشي متوحش وقتل ممنهج وتدمير مدروس لكل مقومات الدولة والمجتمع.

في مصر، يصل المشهد الفوضوي الى ذروته بالفعل وتعيد الفوضى انتاج نظام هجين من أسوأ ما في عهد السادات من تبعية عمياء وقاتلة لأمريكا وصندوق النقد الدولي واستهتار بالهوية القومية وما في عهد مبارك من استهتار بالأمن الاقتصادي والاجتماعي والفكري والأخلاقي وصولا الى الهوية الوطنية.

في اليمن، يتجاوز المشهد الفوضوي الذروة ويصل الى مستويات خارج قدرة المحاور السياسية_الاقتصادية والاجتماعية التقليدية على رسم منحناها البياني ثنائي البعد حتى، في دلالة لا تخطئها العين على أن الفوضى الخلاقة مشروع إقليمي ممتد الى نهاية القرن الأولغارشي الثاني وانطلق من المنطقة العربية.

في سوريا، يقدم المشهد الفوضوي نموذجا بدائيا لشكل الكيانات العربية لقرن قادم من الزمن، قواعد عسكرية دائمة، وجيوش او ميليشيات وطنية متعددة الولاءات، وهويات طائفية ومذهبية مقنعة، وحدود جغرافية مناطقية غير معلنة، ومركزية سياسية صورية فارغة، واستقلال وهمي، وأمن اقتصادي واجتماعي مفقود.

إذا وببساطة تدفق الماء ووضوح طلقة المسدس (رياض الصالح الحسين)، وبغض النظر نهائيا عن توصيف "ما حدث وكيف بدأ" في المنطقة العربية الجمهورية الفاشلة إذا صح التعبير:

لقد انتهى الى "فوضى أولغارشية" أدخلت الإقليم الى المنطقة ليخترق سيادتها ولن يخرج منها قبل خمسة قرون، وانتقلت من المنطقة الى الإقليم وسيعيث فيها خرابا ودمارا لعقود وعقود...

 

 السودان، يدخل بعد التقسيم، كنتيجة طبيعية لفشل الكيان وسقوط حتى فكرة الوطن والمواطنة لصالح الديكتاتورية، في آتون الفوضى، والنميري الجديد او المستنسخ يذهب الى اشقائه الاستبداديين وصناع الفوضى الناجحين، بحثا عن مرتزقة بعثيين وقوميين وإسلامويين مذهبيين ودواعش أيضا، وعن سلاح وعن مال، لا ليحارب الفوضى بل ليضمن نجاحها في اتساع دمارها وتمزيقها لما بقي من نصف السودان، فيبقى قائدا وحاكما ورمزا للوطنية والعروبة والاسلام...
 
الجزائر، تتهيأ لفوضاها على وقع اغرب انتخابات عرفتها المنطقة والاقليم وربما الشرق كله عبر تاريخه المليء بالشياطين.

كم يكشف مشهد الرئيس المقعد والمحنط عن خدعة الأحزاب الستالينية الاستبدادية وعن عبثية القائد الرمز، انهم مجرد دمى صنعتها الأجهزة الأمنية الخارجية وتحركها الأجهزة الأمنية الداخلية او ما صار يعرف مواربة بالدولة العميقة بل هي السلطة السطحية الأمنية القذرة والمستذئبة.

المغرب، وبالرغم من ملكيته شديدة المرونة، بدأت تتحضر فيه الدولة بل السلطة الأمنية السطحية الى مشهدية الفوضى وحراك المجتمع الحتمي يتلاقفه الفوضويون ويوجهونه الى حيث تريد الأولغارشية المتجددة وهي تقترب من نهاية عقدها الثاني في قرنها الثاني.

ويبقى السؤال المُلِح:

هل ستكون فوضى المغرب الحتمية مدخلا لانتشارها في النظام الملكي العربي بالتوازي او بديلا عن حتمية انتقالها للإقليم...!

حسنا كل ما علينا فعله هو ان ننتظر ونسمع ونرى.

ربما يمكننا ان نقول:

إذا صمد محمد بن سلمان فالفوضى ستتدحرج صوب تركيا وإيران وإذا لم فالفوضى ستضرب بلا هوادة الخليج.

المؤشرات القادمة من أمريكا قد "تهمس" لمن يعرف كيف يصغي اليها ومتى بقرارها النهائي الذي لم يعلن عنه همسا بعد.

في الذكرى الثامنة للفوضى تبدو المنطقة وكأنها تتحضر لموجة فوضوية جديدة تستكمل فيها الأنظمة الجمهورية مشهدية موتها وتتحضر فيه الأنظمة الملكية لبدء مشهديتها الفوضوية.

وبالتوازي يبدو الإقليم وكأنه جاهزا للبدء بمشهديته الفوضوية هو الآخر.

ويبدو الجميع حتى في بقية العالم ينظر في عدة اتجاهات منتظرا قرارا يحسم التردد ويحدد الترتيب او هكذا يعتقدون.

لا يمكن للأبجدية السياسية ان تشرح المشهدية الاقتصادية، انها فقط تبررها.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر