الراصد القديم

2019/03/31

الجمهورية العربية المتحدة في ذكراها الــ 61


عبد الهادي الراجح

في الثاني والعشرين من شباط فبراير الماضي مرت على الأمة العربية الذكرى الـــ 61 لأول وآخر وحدة عربية شهدها التاريخ العربي الحديث، وحدة مصر وسوريا التي عرفت بالجمهورية العربية المتحدة وتعلقت بها آمال الشعب العربي من المحيط للخليج، والحقيقة فأن الفوران والاندفاع  والحماس الجماهيري خاصة في سوريا قد وقف وراء تلك الوحدة، نظراً لان سوريا هي  أكثر من تعرض وعانى من آلام سايكس بيكو وإفرازاتها،  حيث جرى اقتطاع أربعة أجزاء رئيسية منها، وهي  الأردن ،فلسطين ، لبنان ولواء الاسكندرونه  الذي منحته بريطانيا وفرنسا لتركيا دون وجه حق .

كانت سوريا هي المتضرر الأكبر في وطننا العربي  من تلك التجزئة ،لذلك بقيت سوريا هي الأكثر صدقا وإخلاصا في دعم مشروع الوحدة العربية كونها أكثر من عانى من التجزئة .

ومع كل ذلك كانت العاطفة والحماس  والإيمان بالبطل  هي الدافع الأساسي لتلك الوحدة،  بدون مراعاة الأخطار وحجم العمالة والخيانة في أمتنا  .

وما كانت تتعرض له سوريا ولا زالت  من أخطار هي الدافع وراء تلك العاطفة وذلك الحماس بوجود البطل جمال عبد الناصر، والدليل على ذلك أن بعض من قادوا الانقلاب الرجعي بدعم أعداء الأمة وعملائها بين أظهرنا، هم أنفسهم من ذهبوا لمصر عارضين على الزعيم جمال عبد الناصر إعادة الوحدة عندما أحسوا بحجم الجريمة التي ارتكبوها بقصد أو بغير قصد .

ورفض الزعيم ذلك العرض قائلا للوفد السوري أن المبادئ لا تتجزأ  وإلا فقدت معناها وقيمتها .

وهكذا كان الانفصال الرجعي الذي تبرأ منه حتى بعض قادته  هو المقدمة الأولى لنكسة حزيران بعد ذلك بستة أعوام، وهو نفس التاريخ الذي رحل به جمال عبد الناصر عن دنيانا بعد تسعة أعوام ولم يكن ذلك من صنع الصدف،  ليكون بعد ذلك المقدمة الأولى لانهيار عربي كامل لا زلنا نعاني منه، وبداية للأسف  لنجاح المشروع الصهيو  أمريكي الذي أسسته بريطانيا وفرنسا واستلمته أمريكا اليوم كوريث .

لقد شكلت الثلاثة أعوام والنصف من عمر الوحدة وقيام الجمهورية العربية المتحدة ما بين مصر وسوريا حالة من الجنون الاستعماري حتى وصل الأمر بالملك سعود أن يحاول رشوة عبد الحميد السراج رحمه الله ، وزير داخلية الوحدة لاغتيال  الزعيم جمال عبد الناصر بواسطة تفجير طائرته، كما دفع هذا السعود ملايين الدولارات الأخرى لشراء ذمم ضباط سوريين ومصريين لنسف المنصة التي كان جمال عبد الناصر مقررا أن يلقى منها خطابه بمناسبة تخريج أفواج إحدى الطلبة في إحدى الجامعات السورية، وكل ذلك فشل ولكنه نجح أخيرا في فصل عرى الوحدة نتيجة أخطاء من الداخل كان يمكن التغلب عليها، وشراء  ذمم سياسيين وضباط  سوريين  أغلبهم شعر بالذنب ولكن للأسف بعد فوات الأوان .

ومع كل ذلك كانت هناك ايجابيات خالدة لتلك الوحدة  التي تعادل وتتفوق على كل ما هو سلبي  وأخطاء بالتجربة ، فقد نجحت دولة الوحدة بالانتصار على أحلاف الاستعمار وعلى رأسها حلف بغداد الذي تقوض بثورة 14 يوليو تموز التي أسقطت النظام الحليف لبريطانيا في ذلك الوقت، كما أسقطت دولة الوحدة مبدأ ايزنهاور ومحاولة ملء الفراغ كما أسموه،  وأسقطت الغزو التركي الذي كان مقررا لسوريا، والأهم حماية سوريا من الأخطار التي كانت محدقة بها ومستهدفة لوجودها طمعا في خصائصها الجغرافية التي وصفها جون دالاس  وزير خارجية أمريكا الأشهر بأعظم حاملة طائرات  .

ومن المفارقات أن نفس الأعداء الذين تآمروا على الوحدة  هم من استهدف سوريا في الأحداث المأساوية الأخيرة في القرن الواحد والعشرين ، ناهيك عن الأمل الذي أوجدته دولة الوحدة وجعلت من المستحيل ممكنا، وهذا الأمل الذي لا زلنا  نراهن عليه حتى اليوم  وغدا .

لذلك ذكرى الوحدة والحنين لها سيبقى موجوداً، ومنه نستمد الأمل لوحدة عربية سوف يأتي موعدها  حين يريد الله ويستيقظ شعبنا العربي العظيم، لأن بالوحدة تكون قوتنا وتتوفر الحياة الكريمة ذاتها .

رحم الله فارس الوحدة الزعيم جمال عبد الناصر وكل من ساهم في صناعة الأمل الذي لا يموت، وتحية احترام وتقدير لكل من لا يزالوا قابضين على جمر المبادئ في ظل عالم الصهينة  والأمركة  وفلوس أبو منشار  .

عاشت أمتنا العربية من المحيط للخليج  .

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر