الراصد القديم

2019/03/02

حول التجربة الناصرية


خميس بن عبيد القطيطي

ما زالت ذكرى مئوية ميلاد الزعيم جمال عبدالناصر تجول في أذهان الجماهير العربية، وما زالت الندوات والمؤتمرات الناصرية تشخص تلك التجربة الحاكمة، ورغم مرور ما يناهز نصف قرن على رحيله، إلا أن هذا الزعيم يظل حديث الشارع العربي ومالئ الدنيا وشاغل الناس في مختلف الأحداث التي صنعها عبدالناصر، فبين مؤيد ومنتقد وعاشق وناقم على تلك التجربة يظل اسم ناصر نشطا في الأوساط الإعلامية العربية عموما، وما يهمنا في السياق التالي التجول في بعض محطات تلك التجربة التي حكمت مصر منذ ثورة يوليو 1952م وحتى وفاته في 28 سبتمبر 1970م عن عمر يناهز 52 عاما كانت حافلة بالعطاء، ومن الطبيعي مثل هذه الحالة التي التفت حولها الجماهير العربية بل والأنظمة الرسمية العربية أن تحتل الصدارة في الفكر السياسي والاجتماعي العربي، كون الأمة كانت تبحث عن قائد ولم تتوفر تلك الصفات والسمات إلا بشخصية عبدالناصر في العصر الحديث، ولا سيما أن عبدالناصر جاء بثورة تعتبر من اهم الثورات في التاريخ الحديث والتي قضت على نظام ملكي في أكبر الدول العربية تبع ذلك التخلص من الاستعمار الأجنبي، ورغم رحيله المبكر إلا أنه بقي خالدا في قلوب الجماهير العربية.

وللحديث عن تجربة ناصر في الحكم بعد نجاح ثورة الضباط الأحرار والتي كان ناصر مهندسها وقائدها ورغم أن الرئاسة آلت إلى اللواء محمد نجيب باتفاق مجلس قيادة الثورة، إلا أن استلام عبدالناصر القيادة أصبح أمرا لا مفر منه بعد عامين، والسؤال الذي يجب أن يسأل هنا: لماذا عبدالناصر بالذات؟ والجواب يأتي عفويا كونه الأقدر والأكثر جاهزية وكفاءة وهيمنة وقدرة، والأكثر حضورا بين الضباط الأحرار، وأبرز شخصية قبل وبعد الثورة. لذلك حظي بإجماع مجلس قيادة الثورة، وبالتالي فالثورة كانت بحاجة إلى تكملة المشوار بقيادة شخصية قوية تأسست على قيم وأيديولوجيا مناهضة للاستعمار الخارجي، وقد شارك عبدالناصر قبل ذلك في حرب 1948م ضد كيان الاحتلال، وهي أولى الحروب العربية الإسرائيلية، وهذه تعتبر أهم المواقف التي أضافت إلى عبدالناصر الكثير من المكونات الشخصية، بالإضافة إلى مكونات بشرية أخرى تشرب فيها عبدالناصر قيم العروبة والقومية والحرية والاشتراكية والعدالة الاجتماعية، وهذه المكونات التي أصبحت لاحقا مبادئ للثورة ونموذجا للفكر الناصري.

خلال ثمانية عشر عاما حرك عبدالناصر العالم من القاهرة، وأصبحت تلك العاصمة العربية محورا للأحداث العالمية بدءا من توقيع اتفاقية الجلاء مع الاستعمار الإنجليزي عام 54 مرورا بتأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي عام 56م، تبعه تأسيس عدم الانحياز في مؤتمر باندونج والذي تصدره عبدالناصر كزعيم ثوري لبلد عربي كبير يتسع نفوذه ليشمل الوطن العربي والقارة الإفريقية، ومن ذلك المؤتمر بلغ نفوذ عبدالناصر وعلاقاته المبنية على التحرير ورفض الاستعمار لتشمل عواصم عالمية صاعدة ولقاءاته المستمرة وتنسيقه مع تلك الدول؛ لذلك حظي بالاحترام الكبير في مختلف محطاته، وفي عام 1960م استقبله معظم قادة العالم عند وصوله إلى نيويورك للمشاركة في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، بل إن كلمته كانت أول كلمة تلقى باللغة العربية في هيئة الأمم المتحدة، ومع تحركه لإلقاء كلمته وقف الجميع وصفق لعبدالناصر؛ لأن عبدالناصر وقتها لم يكن فردا أو حاكما لبلد واحد، بل كان يمثل أمة ويمثل عددا كبيرا من دول العالم الثالث التي ما زالت تشارك الأمة العربية حتى اليوم بالاحتفال بمئوية هذا الزعيم. إذن عبدالناصر كان يمثل القيادة الرمزية للأمة العربية والتي توجها بتجربة فريدة في الحكم، فقد كان زاهدا على المستوى الشخصي وعظيما شامخا في وجه القوى الدولية، وجميع صوره ولقاءاته توضح ذلك، وهذا يؤكد أن الأمة تحتاج إلى قائد فذ يجمع مثل تلك الصفات والكاريزما والهالة العظيمة، وأهم مبدأ هو التفاف الجماهير حوله، ولعب الإعلام دورا مهما في إنجاح تلك التجربة الناصرية، فقد كانت خطابات عبدالناصر الحماسية تحرك الأمة من الخليج إلى المحيط، ولذلك وقفت تلك الجماهير خلف هذا الزعيم والتفت حوله، وهذا أمر مهم جدا في تلك التجربة الناصرية باستقطاب الجماهير والهيمنة على مشاعرها؛ كونها تنظر إليه كقائد يمثل نموذج القيادة العربية المحورية من المحيط إلى الخليج، الأمر الآخر والأهم والذي مكن من اعتلاء تلك التجربة وتصدرها التجارب الحاكمة هي العلاقة مع شعبه وتواضعه وحرصه على تحقيق الأمن الغذائي والمعيشي في أكثر من مسار، أولها منح الفلاحين قطع أراض بالتملك وقانون الإصلاح الزراعي ودعم السلع الغذائية والاهتمام بأحوال الشعب وأموره المعيشية، فقد كان دائم الاتصال بوزير التموين لمناقشته في بعض المسائل المعيشية، فقد كان عبدالناصر لصيقا مع شعبه وبلده فأراد أن يجعل من بلده نموذجا للاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية والاشتراكية التي ردمت الفجوة بين رجال الإقطاع وكبار التجار في البلد لذلك حظي بحب الجماهير، بالإضافة إلى ما كان يتميز به هذا الزعيم من تواضع وزهد وصدق وأمانة وعفة يد، فقد رحل ولم يورث أبناءه الأموال، بل ورثهم وورث أبناء الشعب المصري التعليم والعلاج المجاني والتعليم العالي وأسس 1200 مصنع ظلت تمثل عصب الحياة الاقتصادية لمصر حتى بعد رحيله، وقد نشر صندوق النقد الدولي قبل وفاة عبدالناصر تقريرا أشار إلى مستوى النمو الاقتصادي المتقدم في مصر والاعتماد على الذات، وقد رفد الاقتصاد بالصناعة واعتبرت مصر ضمن الدول الصاعدة، وبلغ قيمة الجنيه المصري مستوى عاليا مقابل الدولار الأميركي، كل ذلك لأن عبدالناصر كان لديه هدف ثابت برفع مكانة بلده والأمة العربية عموما، وكان السد العالي الذي بناه عبدالناصر بعد سلسلة طويلة من الدراسات والمواقف الدولية المعارضة مع الولايات المتحدة والبنك الدولي نموذجا في الإرادة والتحدي، فكسب ناصر الرهان؛ لأنه كان يمتلك تلك الإرادة والعزيمة ويمتلك الأوراق الرابحة رغم صعوبة الأوضاع في تلك الفترة.
إذن عبدالناصر كان يمتلك المؤهلات في حضوره القيادي وتجربته التقدمية الاشتراكية في الحكم، ويتعامل مع القوى الدولية بمستوى عالٍ من الندية، والتاريخ يذكر حادثة سفينة كليوباترا التي رست في ميناء نيويورك ورفض عمال الشحن تفريغها من القطن وشحنها بالقمح حسب اتفاقية الصادرات والواردات الموقعة بين البلدين، وهذا كان بتخطيط مدبر للضغط على الشعب المصري وعلى ناصر خصوصا، فلم يستمر الحدث أكثر من ثلاث ساعات بعد اتصال السفير المصري في واشنطن بوزير الخارجية الذي أبلغ بدوره عبدالناصر بما حدث فما كان من عبدالناصر إلا أن اتجه إلى مبنى الإذاعة وتحدث مخاطبا الجماهير العربية وعمال الشحن والتفريغ في الموانئ العربية بتوضيح ما حدث بكل شفافية، والهدف هنا كان لكسر الإرادة الوطنية التي تتمسك بها مصر في وجه القوى الاستعمارية، فما كان من عمال الشحن في جميع الموانئ العربية من طنجة إلى البصرة إلا أن نفذوا إضرابا تاما وتوقف العمال عن شحن وتفريغ السفن الأميركية لتنتهي الأزمة خلال ثلاث ساعات، وهذه حادثة معروفة ومشهورة ومنشورة أيضا، وهكذا عندما تمتلك الأمة قيادتها المحورية التي تنطلق من أسس ومبادئ ثابتة.. فقد أسس عبدالناصر تلك التجربة على الحرية ثم الوحدة التي سعى من أجلها، وتحققت بالفعل بوحدة الموقف والكلمة ووحدة الجماهير العربية والتفافها حول قيادتها من المحيط إلى الخليج، بالإضافة إلى بروز عبدالناصر بين الزعماء العرب كميزان يحكم تلك التوازنات والاتجاهات، وأزمة أيلول الأسود هي خير شاهد على ذلك، ثم عمل عبدالناصر على الاشتراكية والتي تحدثنا عنها أعلاه وبلغت مصر مراتب متقدمة في النمو الاقتصادي بشهادة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وأخيرا عمل عبدالناصر على تكريس مبدأ التحرر، فدعم ثورات التحرر في الوطن العربي وإفريقيا، وأصبح القائد الملهم في تلك المرحلة من التاريخ؛ لذلك لا غرابة أن تبقى صور ناصر مرفوعة مع كل مناسبة قومية عربية.

نحن هنا نشخص تلك التجربة الفريدة التي استقطبت جميع المؤهلات العربية وتبنت قواعد متينة وصلبة، وكرست مبادئ ما زالت صالحة في كل وقت، ورغم أن العمل والنشاط والمثابرة التي تميز بها ناصر في مرحلة نضاله في الحكم الذي استمر حتى سبتمبر 1970م فكان لا بد من أن تحدث بعض الأخطاء في تلك التجربة؛ منها استعجال الحرب مع إسرائيل عام 1967م والقوات العربية لم تكن في جاهزية لهذه الحرب، ولم تكن الجيوش محدثة والأسلحة كذلك، واستغلت قوات العدو الفرصة واستطاعت إلحاق هزيمة بالعرب؛ لذلك اعتبر عبدالناصر نفسه هو المسؤول عنها تماما وأعلن تنحيه، ولكن كان هناك موقف عظيم لا ينساه التاريخ بخروج الجماهير العربية وفي جميع المدن المصرية رافضة التنحي، وقالت كلمتها: عبدالناصر نعلم أنك أخطات، ولكن سنحارب معك، وتبقى أنت القائد ونحن معك، ورضخ عبدالناصر لتلك المطالب الشعبية العارمة وتم في الخرطوم اجتماع التحول العربي الذي أطلق لاءاته الثلاث: لا صلح لا تفاوض لا اعتراف، وهو ما جعل الأمة بأكملها تتجه نحو البناء وجولة فاصلة مع العدو، وتم تحديث الجيش وقامت حرب الاستنزاف التي كبدت العدو خسائر باهظة وأدت إلى استجداء السلام مع عبدالناصر، ولكنه كان يرفض السلام دون عودة كامل الأراضي المحتلة من الضفة والقطاع والجولان والقدس قبل سيناء. هكذا كانت تجربة ناصر الثورية التي سجلت بعد رحيلة كتجربة تقدمية رائدة في الحكم تعتبر هي التجربة الأنجع في التاريخ العربي الحديث بغض النظر عن تلك الأخطاء. واليوم تقف الأمة في حالة متراجعة تحركها القوى الأجنبية؛ لأنها فقدت القيادة وفقدت مثل تلك التجارب العظيمة، لذلك بقي عبدالناصر يمثل حالة رمزية خلدها التاريخ العربي، وظل خالدا في قلوب الملايين.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر