الراصد القديم

2019/03/02

رسالة من سجون إسرائيل


د. هدى عبدالناصر

وصلتنى الرسالة التالية من الأسير السورى فى سجون الاحتلال الاسرائيلى صدقى المقت، فى ذكرى ميلاد عبد الناصر جاء فيها ما يلي: دكتورة هدى تحياتى لك وللأسرة الكريمة. لم يسبق أن التقينا أو تحدثنا، لكنه يكفى أن يقال لى إنك ابنة جمال عبد الناصر حتى أحس أنه يربطنى بك أجمل وأروع وأنبل شخص عرفه العصر الحديث، فهو يلامس أكثر الأماكن وجدانية فى عمق مشاعرى.

مجرد سماع صوته أو اسمه أو مشاهدة صورته وحده كاف لأتوقف عن كل شيء، وأنقطع عما حولى لألتفت إلى مصدر الصوت والصورة.

أنا ابن جيل ولد فى رحم العام 1967، نشأت فى بيت كل يوم يذكر به اسم جمال عبد الناصر.

أعترف أننى أعشقه لأبعد حدود العشق، وأعترف أننى آمنت بمشواره إلى أبعد حدود العقل.

منذ طفولتى أسكن تلك المساحة الممتدة ما بين العقل والعاطفة، فى عاطفتى أحسد كل من عاش فترة الحلم الذهبى تلك، أتمنى لو أننى عشت كل حياتى فى عصر جمال عبد الناصر. وبعقلى أتابع وأحاول أن أستوعب كل تلك التحولات التاريخية التى أحدثها ذلك العصر.

اليوم وفى ذكرى ميلاد جمال عبد الناصر، وإزاء حالة الانهيار والانحطاط والتخلف التى تمر بها الأمة فى هذه المرحلة، نحن أحوج ما نكون إلى التمسك أكثر من أى وقت مضى بذات الثوابت والمبادئ التى ثار وحارب لأجلها جمال عبد الناصر، ومعه كل شرفاء الأمة.

فذات القوى الاستعمارية التى حاربها عبد الناصر، إبان العدوان الثلاثى تجتاح اليوم وطننا العربى، وعبر ذات الأدوات العميلة والمأجورة التى تآمرت على المشروع الناصرى، والمشروع الصهيونى الذى كرس جمال عبد الناصر كل حياته لأجله فقط، ها هو اليوم يدخل وفى وضح النهار عواصم عديدة فى وطننا العربى.

الإخوان المسلمون الذين أطلقوا الرصاص على زعيم هذه الأمة فى الإسكندرية عام 1954، كانوا على وشك إسقاط الأمة كلها فى مستنقعهم الظلامى الإجرامى التكفيرى، وجيش الفقراء الذى أفنى جمال عبد الناصر عمره لأجل لقمة عيشهم هم فى ازدياد كبير، والأمية التى حاربها تحتفل بانتصارها على العلم والتنوير، والإنسان العربى يذبح فى الساحات العامة وسط التهليل ومهرجانات التخلف والإجرام، والحر الشريف تغلق فى وجهه كل الحدود والأبواب، ويساق إلى السجون والمعتقلات. والقائمة تطول ولا تنتهى.

إن المعركة التى تخوضها سوريا اليوم بشعبها وجيشها وقيادتها, هى امتداد لذات المعركة التى خاضها عبد الناصر، ذات الأعداء، وذات الأدوات، وذات الحلفاء والأصدقاء، وإن اختلفت ساحة المعركة من بورسعيد إلى حلب، ومن ساحة المنشية فى الإسكندرية إلى العريش والغوطة وإدلب والجيزة، وإنما الانتصار كبير الذى تحقق ويتحقق فى سوريا الآن, هو امتداد لتلك الانتصارات العظيمة التى قادها زعيم الأمة جمال عبد الناصر.

إننا أحوج ما نكون الآن لإعادة تجميع كل القوى الإيجابية الشريفة الحية والمناهضة للاستعمار والصهيونية والرجعية، والمناهضة لكل قوى التكفير والإجرام، تجميع كل تلك القوى الأمينة على إرث عبد الناصر، والحاضنة للمشروع التقدمى النهضوى التحررى، لإعادة صياغة وبناء هذا المشروع على ذات الأسس والركائز بما يتناسب وأدوات العصر.

الدكتورة هدى، تحياتى لك وللأسرة الكريمة، ومن خلالك تحياتى لكل شرفاء وأحرار الأمة، ولكل محبى جمال عبد الناصر. مع تحيات الأسير العربى السورى فى سجون الاحتلال الاسرائيلى، ابن الجولان العربى السورى المحتل، صدقى المقت. سجن النقب.. وشكرا.

وفيما يلى ردى على هذه الرسالة: الى الأخ: صدقى المقت, تحية لك فى هذه الظروف الصعبة التى تمر بها، والتى لم تمنعك من التفكير فى القضية الأكبر, وهى إعادة بعث عقيدة القومية العربية ووحدة الشعوب العربية، التى نجحت قوى الاستعمار الجديد، بالتعاون مع بعض القادة العرب، فى نقلها إلى خلفية الوجدان العربى للأجيال الحالية.

لقد وحّدتنا القومية العربية منذ مئات السنين، وجاء عبد الناصر، فجعلها رمزا وحقيقة أفزعت الغرب الاستعمارى، ودفعته للتآمر عليه طوال الثمانية عشر عاما التى قاد فيها الشعوب العربية من الخليج إلى المحيط، بغض النظر عن الحكومات التى كانت تتحكم فيها.

ولن أنسى أبدا فى 1956، عندما أجمعت الشعوب العربية كلها على الإضراب فى 16 أغسطس فى تاريخ انعقاد مؤتمر لندن، من أجل تدويل قناة السويس بعد أن أممها عبد الناصر فى 26 يوليو، واستردها للمصريين الذين حفروها فى أرضهم بالدماء الغالية.. إن قوة العقيدة العربية لا تحتاج للوحدة الدستورية، إنما يكفيها ما كان يحدث فى الخمسينيات والستينيات من إجماع الشعوب العربية على الاعتراف بقدرها المشترك ومصلحتها ككيان واحد. وللأسف ما يحدث الآن هو الشقاق العربى، وانغلاق كل دولة على نفسها, وبرزت النعرات الدينية والعرقية، وتم تنفيذ المخطط الغربى الصهيونى لتفتيت الدول العربية؛ حتى تسهل السيطرة عليها فرادى ضعيفة.

لقد هزّتنى مشاعرك القومية العربية، وأثارت فى نفسى الحنين, فأنا من جيل الستينيات الذى عاش وهج القومية العربية بانتصاراتها وهزائمها التى كانت بتآمر الغرب مع اسرائيل، التى لم تضعف الشعور القومى العربى، بل أظهرت قوته فى أحلك الأيام. وأنا معك ليس فقط فى الدعوة الى تجميع القوى الشريفة لإعادة صياغة مشروع عبد الناصر القومى، وإنما أولا إلى ترسيخ عقيدة القومية العربية فى نفوس شباب اليوم والمستقبل، ولكن كيف؟ هذا ما يجب أن يفكر فيه كل عربى قيادى مخلص. واسمح لى أخ صدقى أن أشاركك الفكر، وأقول إن هذه العملية تنقسم إلى شطرين.. الأول: جانب وجدانى وفكرى، وأرى أن هذا يمكن تحقيقه من خلال مواقع التواصل الاجتماعى، على أن توضع خطة محكمة لبعث الشعور القومى العربى، وأيضا بالاتصال بين المهتمين بالشأن العربى فى كل أنحاء الوطن العربى وعرب المهجر. الثاني: عملية سياسية لتجميع قوى القومية العربية، وهذه أصعب، ولكنها ستتحقق تدريجيا بمزيد من التعارف والتلاقى من جانب القوى القومية.. والأخ صدقى.. إن صيحتك هذه من سجون الاحتلال الصهيونى لهى نداء قومى يحث شبابنا العربى على أن يتمسك بعروبته, فهى الملاذ الأكيد لهم ولمن بعدهم فى مواجهة الصهيونية والاستعمار الجديد.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر