الراصد القديم

2019/03/02

حضور اليمن وتغييب فلسطين عن «مؤتمر الأخوة الإنسانية»!



محمد عبد الحكم دياب

شهدت أبو ظبي هذا الشهر أول زيارة لبابا الفاتيكان ورأس الكنيسة الكاثوليكية؛ فرنسيس الأول، وهي الأولى من نوعها لشبه الجزيرة العربية، ومع ما بدا من حرص البابا على إشاعة روح السلام والوئام بين أتباع الرسالات الإبراهيمية وباقي الأديان الأخرى، فهذه قيمة عليا يتمنى المرء لها أن تتطور، وتحد من الفتن والعنف المنتشر في العالم، وينال المسلمون والعرب منه النصيب الأوفر، وذلك باستغلال تحريض الأدعياء على التفرقة والعنف والقتل، وكان الأمل أن تصبح الزيارة فتحا لصفحة جديدة أقل قتامة في علاقات العقائد والأديان، وأكثر سعيا في تعظيم الوئام والتآخي والاستقرار للبشرية جمعاء..

وعلى نفس درجة ما كان متوقعا للزيارة من تسمية الأشياء بمسمياتها، بدت مشاعر القلق واضحة بسبب تجاهل أهم قضايا العصر وأشد جرائمه وطأة.. وعلى مدى قرن أو يزيد تُقْترَف الجرائم في حقها عيانا بيانا، بكل السبل المنافية للقيم والتقاليد والأعراف والقوانين.. ودون رادع جاد يعيد أولئك العنصريين إلى صوابهم، ويعيد الحق لأهله؛ إنها قضية فلسطين السليبة..

وفي وقت دعا فيه البابا فرنسيس الأول لوقف الحرب في اليمن وسوريا والعراق وليبيا، ورفع المعاناة عن شعب اليمن وانقاذ اطفاله من الجوع والقصف والتشرد، غاب الشعب الفلسطيني واطفاله وضحاياه الأبرياء، وما يعاني بسبب وطأة الاحتلال، ووحشية التهجير القسري، ودموية التطهير العرقي الممنهج..

وهل يمكن إدراج هذا التجاهل ضمن ازدواج أو تعدد المعايير؛ المعتاد بالنسبة للجرائم الصهيونية؟.. وهل يجوز لـ«مؤتمر الأخوة الإنسانية»، الذي جمع رأس «الكنيسة الكاثوليكية» ورمز «الإسلام الأزهري»؛ هل يجوز له تجاهل المأساة الفلسطينية؛ المستمرة والمتجددة لأكثر من قرن؛ مع تبلور الفكرة الصهيونية، وتحولها لحركة ومشروع يُطَبَّق منذ عام 1897، وأمكن لذلك المشروع الاستيطاني التحكم في مقدرات المال والاقتصاد والسياسة والسلاح والإعلام والتقانة في كثير من قارات العالم، وعلى الأخص في نصفها الغربي..

ومن المعروف أن أسلاف البابا الحالي هم من برأوا اليهود من «دم المسيح»، وكان هذا المؤتمر فرصة يظهر فيها البابا بصورة مخالفة لأسلافه، بدلا من استمرار الصمت على الانتهاكات الصهيونية..

وتجدر الإشارة هنا إلى جدل يدور بين بعض فصائل «الإسلام السياسي»، حول المسؤولية عن «دم المسيح»، حيث الاختلاف بين ما ورد في «الكتاب المقدس» وما جاء في «القرآن الكريم»، عن رواية الصلب وعدم قتل المسيح، ويرون في ذلك تأكيد للنص القرآني.. ونتوقف هنا لتدقيق الأمر..

النص القرآني لم ينف رواية الصلب والقتل، وعلينا إعادة قراءة الآية: «وقولهم إنا قتلنا المسيح ابن مريم رسول الله، وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبِّهَ لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا (النساء 157)»، وتعني الآية أن واقعة الصلب والقتل وقعت بالفعل، والخلاف حول شخص المصلوب (الضحية)؛ إذن الجريمة وقعت ضد من «شُبِّه لهم»، وتنطبق عليها آية: «من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أَنَّه من قتل نفسا بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا (المائدة 32)»..

وأما الكنيسة الكاثوليكية وقد بادرت بـ«مصالحة» اليهود، فإن المصادر التاريخية أكدت على العلاقة المعقدة بين الديانتين؛ بداية باضطهاد اليهود للمسيحيين، أثناء حياة المسيح؛ وصلت حد الحكم بقتله، واستمر ذلك حتى القرن الرابع الميلادي، وتغير مع بدء المسيحيين باضطهاد اليهود، فطردوهم من الإسكندرية، ونفوهم خارج المدن الكبرى زمن البيزنطيين، وفي القرن الحادي عشر الميلادي، حصروهم في مهن وأعمال محددة، وفي نهاية القرن الخامس عشر أخرِجوهم من شبه جزيرة أيبيريا؛ هم والعرب والمسلمون، الذين لم يعتنقوا المسيحية، ثم لاحقوهم في باقي أوروبا، فاتجهوا صوب بولندا وروسيا والولايات والأقاليم العثمانية..

وتحسنت أحوالهم مع استقلال هولندا وبتأثير الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، وجاء «العداء للسامية»، فاختزله الأحبار وقادة العمل الصهيوني في اليهود دون سائر السلالات السامية؛ هذا مع أن علماء الأنثربولوجيا يؤكدون أنها سلالات أكبر وأوسع من اليهودية، وحسب ما جاء على مواقع ألكترونية متخصصة، أنها سلالات انطلقت من شبه الجزيرة العربية، ورحلت عنها بسبب الجدب، وكان الأكديّون أول من اتجهوا للعراق وانضموا للسومريين، وذهب الآشوريون لمنطقة «ما بين النهرين»، ورحل الكنعانيون إلى الشام وشرق البحر المتوسط، واستقر الآراميون في باديتي الشام والعراق، وكان آخر الراحلين عرب الجنوب، وتفرع عنهم الحبشيون، ونزلوا على شواطئ المحيط الهندي، ومن اتجه جنوبا ذهب لتهامة اليمن، والبعض انتقل للسواحل الافريقية، وغيرهم استقر على الهضبة الحبشية..

 وتحسنت علاقة اليهود بالكنيسة الكاثوليكية في عهد البابا بولس السادس (1897 ـ 1978)، وهو من برأ اليهود من «دم المسيح»، وتمت إلتبرئة رسميا عام 1993؛ بتبادل التمثيل الدبلوماسي بين الفاتيكان وتل أبيب، وتبعه زيارة البابا «يوحنا بولس الثاني» للقدس سنة 2000، وزار «نصب فاشيم» للمحرقة اليهودية، و«حائط المبكى»، وهو أول بابا ينال مباركة حاخامية، عند زيارة الحاخام «بنيامين بليش» للمقر الرسولي. وبعد وفاة يوحنا بولس الثاني وصفته جمعية (آي دي إل) في بيانها بأنه أحدث ثورة في العلاقات الكاثوليكية اليهودية، وأدخل تغييرات وتحسينات طوال أعوامه الثمانية والعشرين على المقعد البابوي، «لم تحصل لألفي عام من قبل»!!. وموقف الكنيسة الشرقية (الأرثوذكسية) كان مختلفا؛ حيث تغيرت العلاقة الودية إلى العداء بسبب عدوانية ودموية وعنصرية الحركة الصهيونية.. 

لم يتطرق بيان «المؤتمر» لشعب وأطفال فلسطين، ووقوعهم بين مطرقة الاحتلال وسندان التصفية، ولم يتساووا باليمنيين، وقد يكون البابا صادقا في دعوته لإنهاء الحرب القذرة في اليمن، لكن ذلك لا يبرر الصمت على معاناة الفلسطينيين، والقبول بإبادتهم الممنهجة تحت سمع وبصر العالم..

وكل هذا من شأنه طرح أكثر من سؤال عن معنى «السلام» الوارد في «البيان».. وأي حديث عن السلام بعيدا عن فلسطين يحمل المعنى المعاكس، فيصبح سلاما مغشوشا، وكان على البابا أن يجعل رسالته؛ شاملة وعادلة.. ويبدو أنه خشي إغضاب واشنطن، أو إثارة حفيظة النفوذ الصهيوني داخل الفاتيكان وخارجه!.

كانت الإشارة لمعاناة الفلسطينيين ضرورية؛ في ظروف تطابق الموقف الصهيوني ـ الأمريكي، وترجمته بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، تحديا لكل المشاعر المتعلقة بالمدينة المقدسة، وقيمتها الروحية للديانات الإبراهيمية الثلاث، وفي ظروف اقتراب إعلان «صفقة القرن»، واستهدافها تصفية القضية الفلسطينية، والمصادرة على أي حل مؤقت أو مرحلي متوازن، وفلسطين كقضية إنسانية عادلة فوق اعتبارت السياسة، فطبيعتها عابرة للصراعات الطائفية والدينية والعرقية والانعزالية، وهناك اعتقاد بأن البابا فرنسيس الأول رسب في اختبار الضمير، وكان عليه أن ينجح فيه، وعلى شخص في وزنه ومقامه أن يبقى عند حسن الظن به.. ويعكس مضمون القيم الدينية والروحية ودعوتها للوئام والسلام بين البشر دون تمييز أو تفرقة من أي نوع..

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر