الراصد القديم

2019/03/31

الأقليات الدينية ولعنة السلطة


زياد هواش

في العراق وسوريا ولبنان نموذجا كارثيا في المنطقة والاقليم عن كيفية تطور طبيعة ووظيفة السلطة السياسية القائمة بقوة الإرهاب الديني والمذهبي تحت غطاء الهويات القومية المخادعة والمصنّعة في اوروبا في كيانات سايكس_بيكو القلقة وغير المستقرة والاستعمارية عكس التاريخية.

لا يستطيع هذا النص ان يتجاوز المصطلحات الدينية والمذهبية الفوضوية والعبثية لضرورة البدء بمحاربة هذه الهويات السياسية السائدة والمُتسيدة في المنطقة والاقليم والتي تتسم بقدرات شيطانية تسمح لحامليها بفعل القتل الجماعي الطقسي الوثني والمبرر والمقدس بدون أي رادع أخلاقي او انساني.

عندما اعتبر الموارنة في لبنان ان اللاجئين الفلسطينيين ومقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية يشكلون خطرا وجوديا اي (سلطويا وطائفيا) عليهم وخصوصا بعد احداث الأردن المأساوية في العام 1970 او ما صار يعرف بأحداث "ايلول الأسود" اتجهوا الى التحالف مع القوة الإقليمية الأقرب إليهم "إسرائيل".

تتالت الاحداث الغرائبية في لبنان وصولا الى ما صار يعرف بثورة الأرز او ربيع لبنان وخروج قوات البعث السوري منه في العام 2005 وانطلاقة حالة الفوضى الامريكية الإقليمية الخلاقة من قلب السفارة الامريكية في ضاحية بيروت ومحاولة قوات الغزو الإسرائيلية العودة الى جنوب لبنان صيف العام 2006.

مع تخامد حركة الفوضى الخلاقة في بلاد الشام واحتمال تدحرجها خارج المنطقة صوب الإقليم وبالرغم من التغيرات الحادة في شكل وبنية الأنظمة الجمهورية العربية الا ان النظام في لبنان بقي يراوح مكانه مثقلا بخصائصه الغرائبية القلقة أي تلك الهويات السياسية الدينية والمذهبية والمناطقية والعشائرية وغيرها.

ومع ذلك بقي المشهد السياسي السلطوي الماروني على حاله تتجاذبه القوى المحلية والعربية والإقليمية على قاعدة الصراع الماروني الماروني على منصب رئيس الجمهورية منزوع الصلاحيات بالفعل والذي اوصل هذه الطائفة المشرقية الى حافة الهلاك مرات عديدة وسبب لها ما لا يطاق من الآلام والمآسي غير المبررة.

ولن تنتهي مأساة الموارنة في لبنان ولبنان نفسه الا بزوال إسرائيل الكيان الديني المذهبي بفعل حتمية حركة التاريخ وقوانينها العلمية المتجسدة باقتراب نهاية الدور الوظيفي الاستعماري التقليدي وبفعل حركة التحرر الإنسانية المتصاعدة والانفتاح الفلسطيني المتزايد عليها خروجا طبيعيا من الخداع العربي والعبثية الإقليمية.

عندما اعتبر البعث السني في العراق ان الثورة في إيران تشكل خطرا وجوديا اي (سلطويا وطائفيا) عليهم راهنوا على الخداع العربي والعبثية الإقليمية ولعبة الحرب الباردة لشن حرب خاطفة تسقط الثورة وتعطل اخطارها المحتملة والحقيقة ان الحرب العراقية الإيرانية الممتدة من سبتمبر 1980 حتى أغسطس 1988 ساهمت في تحويل الثورة الاجتماعية الى ثورة شيعية.

ما صار يعرف باسم حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران والتي قادة تلقائيا الى حرب الخليج الثانية بعد دخول قوات البعث العراقي للكويت 2 أغسطس 1990 وانطلاق عاصفة الصحراء بقيادة أمريكا لتحرير الكويت من 17 يناير إلى 28 فبراير 1991 كرستا الهويتين المذهبيتين السنية العراقية والشيعية الإيرانية هويتين سلطويتين ونهائيتين.

جاءت حرب الخليج الثالثة من 19 مارس إلى 1 مايو 2003 أو الغزو الأمريكي للعراق ليكرس حقيقة "لعنة السلطة" الى قادت الجماعة السنية العراقية الى التهلكة بدون ان تمتلك قياداتها ونخبها أي قدرة على تقديم أي تنازل او أي عرض لشراكة في السلطة المطلقة النظرية فقط او القمعية فقط بعد انهيار البلاد بسبب الحصار والحروب اقتصاديا.

ثم جاءت الفوضى الخلاقة لتدفع ببقايا هذه الجماعة المنكوبة الى الرهانات الغرائبية على الإقليم والفكر القاعدي الإرهابي لتكوين تنظيم "داعش" على أمل العودة الى السلطة في بغداد وليس من أجل أي شيء آخر لقد اكتملت اللعنة تماما في الوقت الذي تحاول فيه الجماعة الكردية الموازية لها مقاومة لعنة السلطة بنجاح نسبي.

عندما اعتبر البعث العلوي الشيعي في سوريا أن الحرب الاهلية في لبنان تشكل خطرا وجوديا اي (سلطويا وطائفيا) عليهم قاموا بغزو لبنان عبر تسوية متقنة بالفعل مع الامريكان للعب دور الشرطي سمحت لهم بإدارة المشهد اللبناني حتى العام 2000 بصورة مطلقة وحتى العام 2005 بالشراكة الفعالة مع الشيعة وبالتالي إيران.

اعتبر البعثيون السوريون انهم قادرون على وقف تمدد النموذج السياسي الطائفي المذهبي من لبنان بسبب الحرب الاهلية باتجاه المنطقة ومنع دخوله الى سوريا والحفاظ على السلطة المطلقة تحت القناع او الخداع القومي العربي لتأتي الثورة في إيران ولتكرس هذا التحول في شكل الصراعات من السياسي الى الديني في الإقليم كله.

بدأ التحول البعثي العلوي يأخذ شكله المذهبي الشيعي المتدحرج والمتسارع مع انطلاقة الفوضى الخلاقة من لبنان تحت القبضة السورية الإيرانية والخروج الدرامي منه وصعود الشيعة كقوة طاغية في لبنان والمنطقة والاقليم وصار الهدف الوحيد والنهائي هو البقاء في السلطة التي بدأت تفقد قوتها السيادية والاقتصادية والسياسية لتتحول الى قمعية وفارغة.

وكنظرائهم السنة في العراق او جيرانهم الموارنة في لبنان وصلوا الى طريق مسدود وفقدوا حضورهم وهويتهم الوطنية والإسلامية والمذهبية والتاريخية وتحولوا الى لعبة بيد الإقليم وما بعده لا هدف لهم الا السلطة لقد ظهرت اعراض مرض "لعنة السلطة" عليهم بالكامل ويرفضون بالمطلق رؤية مستقبلهم في لبنان في حلقة مفرغة وفي العراق في الجحيم نفسه.

الأقليات لا تتعلم أبدا الدرس ولا تريد أن تتعلمه ولا يمكن لحركة التاريخ ان تؤثر فيها إيجابيا لذلك تتجه الى موتها وفنائها بإرادتها عبر رهاناتها الغرائبية تحت تأثيرات وأعراض مرض "لعنة السلطة" ولا يمكن لأحد أن يقنع الأقليات الحاكمة نظريا في لبنان وسوريا والعراق ان نجاتهم من الفناء هي في ترك السلطة للأكثريات والتحرر من لعنتها.

لا إسرائيل ولا تركيا ولا إيران قادرة على ضمان بقائها نفسها فكيف بالحلفاء والمشهد يتجه بالجميع الى الهاوية.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر