الراصد القديم

2019/03/02

الجزائر بين رهانات التغيير الممنهج والفوضى المدمرة

عبدالله راقدي


“إن الذين يخافون محيطهم لا يفكرن في التغيير مهما كان وضعهم بائس”. اريك هوفر


 شكل التغيير والقطيعة والفوضى أهم مفردات المشهد السياسي المضبوط مع عقارب ساعة الانتخابات الرئاسية المزمع تنظيمها في أفريل 2019. وهو مشهد يشي بصراع حاد بين أنصار الاستمرارية  وهي مجموعة أحزاب داعمة لترشح  الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعهدة خامسة – والمعارضة الداعية إلى القطيعة مع النخبة الحاكمة الحالية. وضع يقتضي منا البحث فيه وهذا عبر محاولة الإجابة على السؤالين التاليين: كيف ستؤثر تفاعلات المشهد الجزائري الحالي على مخرجات هذا الصراع؟ وما الدور الذي يمكن أن تلعبه وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي الحديثة في هذا التجاذب؟  وقبل ذلك، يجدر في البداية التطرق لحال المجتمع الجزائري في العقود الأخيرة.

ولاءات المجتمع الجزائري المتناقضة، هل هي مؤشر أزمة؟

خلافا للمجتمعات الغربية المستهلكة لما تنتجه من سلع وخدمات وقيم وأفكار، والمتماهية مع ادوار حكوماتها، وجد المجتمع الجزائري نفسه في العقدين الأخيرين منخرط في مسار استهلاكي متسارع.  لم يقتصر فقط على السلع والخدمات وإنما توسع ليشمل العقائد والمذاهب والأفكار القديمة التراثية الوافدة من الشرق، وقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان الليبرالية من الغرب. فاستهلك الجزائري سلع وخدمات من بلدان أوروبية ومن  الصين وتركيا، وقيم أفكار ومذاهب تراثية من السعودية ومصر وتركيا وإيران. عموما اتخذ الاستهلاك  ثلاثة مظاهر:

– جزء من المجتمع جعل من غول العولمة و “الغزو الفكري” و”الصراع الثقافي الديني المذهبي،” و “الإسلام هو الحل” مبررا للعودة للتراث  والانكفاء على الذات في  الملبس والمأكل، فغدت معظم المدن الجزائرية بل حتى  القرى والأرياف  معروفة بظاهرة اللباس التقليدي الوهابي، وخطاب طاعة ولي الأمر عند هذه الجماعة وغيرها  من الجماعات الأخرى، و التي ستظهر في خطب بعض مساجد الجزائر عقب الدعوة لمظاهرات 22 فيفري 2019.

       – وبفعل ثورة الإعلام ووسائل التكنولوجيا المتطورة انجذب قطاع آخر لاسيما من الشباب   إلى أسلوب الحياة الليبرالية الغربية. وتبعا لذلك، وجد هؤلاء في  وسائط التواصل الاجتماعي الأداة المثلى التي تسمح لهم بالتعبير عن ذواتهم  وكينونتهم، فضلا على توظيفها في التعبئة والتاطير .

– في حين أُجبرت (أُرغمت)  النخبة الحاكمة – لم تكن مهيأة ومستعدة اجتماعيا ونفسيا – على تبني الديمقراطية (التعددية، التداول)، فأقامت نظاما تعدديا (حزبي وإعلامي ومؤسسات ديمقراطية البرلمان بغرفتيه ). سرعان  ما اصطدمت التجربة الأولى الانتخابية  بمأساة عنف العشرية السوداء الدموي عقب توقيف المسار الانتخابي.  بعدها أعيد الأمل بعد وصول عبدالعزيز بوتفليقة إلى الحكم في 1999  لاسيما بعد استعادت الجزائر للسلم والأمن ودخولها في وضع مالي مريح جراء ارتفاع أسعار البترول، في إعادة بناء الجزائر على قواعد جديدة قوامها الحكم المدني الديمقراطية وحقوق الإنسان.  فهل نجح بوتفليقة في كسب الرهان؟ ومن ثم هل ساهم في توفير ظروف التغيير الايجابي الواعي، أم أن غِواية العولمة أقوى تأثيرا وستدفع  في النهاية في اتجاه الفوضى وتدمير الوطن؟
التغيير  الممنهج مؤجل والفوضى واردة؟

من اجل تجسيد رؤيته في الحكم عمل الرئيس بوتفليقة على إشراك أو توريط الجميع ( الأحزاب، النقابات ، جمعيات المجتمع المدني)  في ما عرف ب “برنامج الرئيس”. وبسبب تلك الإستراتجية أصبحت الحياة السياسية تنبض وتدين بالولاء المطلق لفخامة الرئيس، لا نشاط و لا حدث مهما صغُر  إلا ويجري تحت مظلة برنامج الرئيس.  ترتب عن ذلك، تقلص دور الأحزاب وتراجع دور وسائل الإعلام (عدم التزامها بالسياسة الحكومية يعني حرمانها من الدعم الحكومي المتعلق أساسا بالإشهار).  حتى الجامعة لم تسلم من ذلك، فلم تعد فضاء للخلق والإبداع والتفكير الحر واقتراح الحلول، ووضع سياسات وهندسة استراتيجيات تستشرف التحديات التي تواجهها الجزائر، وتليق بمكانتها كدولة إقليمية محورية.

أخذ هذا الوضع بعدا خطيرا بعد مرض الرئيس في 2012  حيث ظهرت تقارير مرتبطة بعمليات فساد مست مشاريع كبرى كالطريق السيار ( شرق /غرب)،  وصفقات شركة سوناطراك. وتعكس قطاعات الرياضة والصحة على سبيل المثال  هذا الوضع المتردي وتثير أكثر من سؤال؟  أين هي الملاعب التي رصدت لها مئات الملايين من الدولارات؟ لماذا فشلت الجزائر في إقناع الاتحاد الإفريقي بجدوى احتضان كأس إفريقيا للأمم في 2019؟ كيف تشيد الدولة المسجد الأعظم المقدر تكلفته ب 3 (ثلاثة) ملايير دولار  ومئات المساجد  وتفشل في تحصين أبناءها من اعتناق مذاهب وافدة.  وفشل خطباء المساجد في إقناع المصلين بعدم المشاركة في التظاهرة بحجة وجوب “طاعة ولي الأمر”، فبسبب  دعوة خطباء الجمعة جمهور المصلين بوجوب طاعة “ولي الأمر” وعدم التظاهر في الشوارع خرج المصلون دون إتمام الصلاة.. والأمر نفسه ينسحب على القطاع الصحي، حيث يظهر الفشل من خلال أعداد الجزائريين بما فيهم رئيس الجمهورية والكثير من إطارات الدولة يعالجون في مستشفيات تونس والأردن وتركيا وفرنسا، وسويسرا، ألمانيا، الصين.

 وردا على هذا الوضع المتردي، لجأ قطاع واسع لا سيما الشباب إلى وسائط التواصل الاجتماعي الفايسبوك وتويتر ومختلف غرف الدردشة والاتصال -تشير الأرقام إلى 22 مليون مشترك في الفايسبوك-. لقد وجد هؤلاء في مثل هذه الوسائط الملاذ بعد أن فقدوا الأمل في المؤسسات الاجتماعية ووسائل الإعلام التقليدية. هكذا تحولت إلى وسائل مهمة وفعالة في التأثير والتعبئة غير المراقبة والمتحكم فيها. لقد جمع  اليوتيوبر المعروف باسم ريفكا نحو 10 ألاف شخص دعاهم لحضور عيد ميلاده في العاصمة الجزائرية. وهو رقم تعجز عن تحقيقه  أقوى الأحزاب.

 ويبدو من المؤشرات الأولية أن دور هذه الوسائط سيتعاظم في هذه الانتخابات. فقد جعلت من مرشح الرئاسيات رشيد نكاز شخصية المرحلة تستقطب عشرات الآلاف من المناصرين أينما حل ، رغم أن المتابعين للشأن الانتخابي لم يضعوه في خانة الشخصيات المهمة؛ فيكفي أن تعاطت وعلى نطاق واسع هذه الوسائل مع العنف (الحقرة) بالتعبير الجزائري، الذي تعرض له من قبل بعض المشاغبين في مدينة تلمسان – فجعلت منه شخصية مظلومة محقورة. لقد حرك مثل هذا التعاطي لشبكات التواصل الاجتماعي مشاعر الجزائريين المعروفون بنصرة المظلوم أو المحقور أو بالتعبير الجزائري ” النيف الجزائري” (حصل ذلك في مدن  باتنة، خنشلة، تبسة، عنابة، قسنطينة، سكيكدة ). أيضا، برز دورها الكبير في مسيرات 22 فيفري الحالي، إذا رغم دعوات الحكومة المتكررة عبر وسائل الإعلام وخطباء المساجد المحذرة  من مخاطر الخروج للتظاهر، إلا أن قطاع واسع من الشعب خرج للتنديد بالأوضاع التي وصلت إليها الجزائر،  وبترشيح الرئيس بوتفليقة المريض لعهدة خامسة.

 لقد نجح المتظاهرون في امتحان كسر هاجس الخوف الذي جثم على صدور الجزائريين طيلة عشرين سنة. لا سيما وانه شمل مختلف مدن الجزائر واتسم بالطابع السلمي.  لكن ما يستدعي الانتباه هو مدى استعداد النخبة الحاكمة لتقبل رسائل هذه الجماهير. التي لم تكن غائبة عن إدراكاتها وهي ترشح الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة لعهدة خامسة. في تقديري، وكون المؤسسة العسكرية التي لم تعد كما كانت قبل 1999، الاستجابة بالكيفية التي يطالب بها الجمهور غير واردة الآن. لاسيما بعد تصريح منسق حزب الآفلان في تجمع بوهران ردا على الداعين للتراجع عن ترشح الرئيس بوتفليقة لعهدة خامسة:” نقول للداعين للتغيير أحلام سعيدة وصح نومكم.”فقد تدفع مثل هذه المواقف في اتجاه المزيد من التشدد بين الطرفين. وحينئذ ستتسع دائرة المساندين لهذه الجماهير الغاضبة إلى الحد الذي قد يؤدي إلى انفلات الأوضاع كما حصل في ليبيا وسوريا  وفنزويلا. وهو وضع خطير غير مقبول لكل عاقل يفكر في مصلحة بلده، لأنه مدخل مهدد للأمن والاستقرار ولوحدة الجزائر، لاسيما وان الجزائر تواجه انعكاسات جوار إقليمي جد مضطرب ( النزاع الليبي، ومنطقة ساحل إفريقي هشة ومحل أطماع مختلف القوى العالمية)، وصراع دولي  محموم من أجل التحكم والسيطرة على مصائر الشعوب في فترة ما بعد الأحادية القطبية.

وأخلص إلى أن التغير الواعي الممنهج غير ممكن حاليا كون  كل السياسات جعلت المجتمع الجزائري غارق ومدمن في الاستهلاك. مجتمع تنعدم فيه شروط التفكير الحر المبدع المساعد على إنتاج الأفكار والقيم الخلاقة الكفيلة بخلق مناخ يساعد على التطور العلمي التكنولوجي. وهي الحالة الوحيدة التي يصبح فيها التغيير ضروري أوتوماتكيا  لتأمين مكانة الدولة. مقابل ذلك، وكون أسلوب الحياة الليبرالية جذاب وأدواته في التأثير والغواية- وهي أقوى من دعوة خطباء جمعة التظاهر الذين فشلوا في منع الناس من التظاهر بحجة طاعة “أولي الأمر”- متاحة،  فقد تتفاعل الأحداث بسرعة  وتندفع نحو فوضى غير متحكم فيها.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر