الراصد القديم

2019/03/31

معركة الجولان تقترب...


ناجي س. البستاني

صحيح أنّ التصريحات الأميركيّة الداعمة لإحتلال ​إسرائيل​ للجولان السُوري، تهدف في جانب منها لدعم حملة رئيس حُكومة إسرائيل ​بنيامين نتانياهو​ عشيّة الإنتخابات التشريعية الإسرائيليّة التي ستُنظّم في التاسع من نيسان المقبل، لكنّ الأصحّ أنّها ترمي أيضًا إلى إستفادة واشنطن من ورقة ضغط إضافيّة لإستخدامها في صراع السيطرة والنُفوذ في منطقة ​الشرق الأوسط​، إضافة إلى إستفادة إسرائيل من تسليط الضوء على خطر أمني يتصاعد ضُدّها من الجانب السُوري. لكن هل يُمكن أن يتسبّب القرار الأميركيّ التصعيدي المذكور، بضرب الإستقرار الإقليمي، وبمعركة في ​الجولان​؟.

بداية، لا بُد من التذكير بأنّ إسرائيل حاولت خلال السنوات القليلة الماضية، إستغلال الحرب السُوريّة لإنشاء منطقة عازلة عبر شريط حُدوديّ ضيّق يفصل المناطق التي تحتلّها في الجولان عن المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السُوري، لكنّ مُجريات المعارك في مُحافظة ​القنيطرة​ تحديدًا(1)، وفي كامل الأراضي السُوريّة، أفشلت الخطّة الإسرائيليّة. في المُقابل، تعاونت السُلطات العسكريّة السُوريّة مع خُبراء إيرانيّين ومع مُقاتلين من "​حزب الله​" لإنشاء مجموعات قتاليّة سُوريّة من أبناء قرى وبلدات مُحافظة القنيطرة والمناطق المُحيطة، وذلك بعد نجاح تجربة إنشاء "قوّات الدفاع الوطني" في الداخل السوري. وقد ترافق إنشاء هذه الوحدات القتاليّة غير النظاميّة مع حفر مجموعة من الأنفاق ومع إنشاء مراكز عسكريّة تحت الأرض بعيدًا عن أعين سلاح الجوّ الإسرائيلي، وذلك بهدف إنشاء منطقة إحتكاك أمني مُباشر مع إسرائيل في سوريا(2)، تكون إمتدادًا لتلك الموجودة في ​لبنان​(3)، بشكل يجعل إسرائيل مُضطرّة لنشر عشرات آلاف المُقاتلين في خُطوط أماميّة وأخرى دفاعيّة خلفيّة، وذلك على طول خط حُدودي مع لبنان وسوريا بطول يبلغ نحو 150 كيلومترًا.

إشارة إلى أنّ مسألة إعتراف واشنطن رسميًا بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السُوري ستكون محور مُحادثات رئيس الوزراء الإسرائيلي-الموجود في ​الولايات المتحدة​ الأميركيّة للمُشاركة في الإجتماع السنوي للوبي الإسرائيلي هناك، مع كبار المَسؤولين الأميركيّين خلال الساعات والأيّام القليلة المقبلة، بهدف توظيف الدعم الأميركي لإسرائيل في الصراع الإقليمي، وكذلك بهدف توظيف الموقف الأميركي العلني والمُستجدّ بالنسبة إلى الجولان في معركة نتانياهو الإنتخابيّة. لكن وعلى الرغم من الضغوط الأميركيّة المُنوّعة على النظام السُوري وعلى حلفائه، ومن مُحاولات التوسّط الغربيّة والإقليميّة مع ​روسيا​، في مُحاولة لتغيير سياسة "محور المُقاومة والمُمانعة" في سوريا، وعلى الرغم من الغارات وعمليّات الإغتيال التي نفّذتها إسرائيل في سوريا، لم تتمكّن القيادة الإسرائيليّة من إفشال ما يتمّ تحضيره من بنية عسكريّة قتاليّة مُتماسكة وخطيرة لأمنها على طول الحُدود المُشتركة من هضبة الجولان السُوري المُحتلّ، مُرورًا ب​مزارع شبعا​ وُصولاً إلى القُرى والبلدات اللبنانيّة الجنوبيّة التي تلامس البحر الأبيض المتوسّط.

وفي إنتظار الموقف الأميركي الرسمي المُرتقب من جانب الرئيس ​دونالد ترامب​ بشأن الجولان، والذي لا يُصبح نافذًا إلا بعد موافقة ​الكونغرس الأميركي​ عليه، تحرّك دُروز الجولان(4) في تظاهرات إعتراضيّة على المواقف الأميركيّة الهادفة إلى إستغلال ورقة الجولان في مُساوماتها الخاصة بصراع النُفوذ في الشرق الأوسط، والتي تُمهّد أيضًا لمواقف أميركيّة أكثر تشدّدًا مُنتظرة بعد الإنتخابات الإسرائيليّة، مع العلم أنّ المواقف الأميركيّة التصعيديّة مُرتبطة بما يُسمّى "صفقة القرن" الخاصة بالقضيّة الفلسطينيّة، والتي تعمل واشنطن على تأمين مُوافقة إقليميّة عليها عبر إعتماد سياسة "العصا والجزرة". وبالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي فهو يسعى بدوره لتسليط الأضواء الدَوليّة على هضبة الجولان، علّه ينجح في الحُصول على ضمانات دَوليّة لأمن إسرائيل، خاصة من الجانب الروسي.

في المُقابل، لا شكّ أنّ التصعيد الأميركي–الإسرائيلي في ما خصّ السيادة على الجولان، وضع "محور المقاومة والمُمانعة" في موقف حرج، بحيث أنّ السُكوت على ما يحصل سيبدو وكأنّه تسليم بالأمر الواقع، ونوع من الإستسلام، والذهاب بعيدًا في خيارات الإعتراض قد يُهدّد كامل الإستقرار الإقليمي للخطر، وقد يفتح معركة عسكريّة في غير أوانها في الجولان والمنطقة. من هنا، من المتوقّع أن يتسبّب القرار الأميركي الخاص بالسيادة على الجولان بمعركة سياسيّة–إعلاميّة قاسية في المرحلة المقبلة. والأخطر أنّ "محور المقاومة والمُمانعة" قد يردّ في المُستقبل على أيّ إستهداف أمني إسرائيلي لسوريا، بضربة عسكريّة مضبوطة الحجم في الجولان، لتسجيل رسالة إعتراض أمنيّة على الخطوة الأميركيّة الداعمة لإحتلال إسرائيل للهضبة السوريّة.

في الخُلاصة، الصراع الإقليمي لا يزال مفتوحًا على مصراعيه ضُمن إيقاع مضبوط إلى حدّ بعيد. لكن خطر أن يتسبّب القرار الأميركي التصعيدي بردّ فعل أمني في الجولان قائم، مع كل ما يعنيه هذا الأمر من مخاطر بإحتمال إنزلاق المنطقة كلّها إلى معركة عسكريّة يُمكن أن تكون بدايتها معروفة بعكس نهايتها.

(1) تكمن أهميّة مُحافظة القنيطرة التي تبلغ مساحتها الإجمالية 1861 كيلومترًا فقط، في أنّها تُشكّل خطَّ تماس مُباشرَ مع الجيش الإسرائيلي عبر سلسلة من الهضاب والتلال بإرتفاعات تبلغ نحو ألف متر عن سطح البحر بمعدّل عام.

(2) يبلغ طولها نحو 76 كيلومترًا.

(3) يبلغ طولها نحو 79 كيلومترًا، ومن ضُمنها الخطّ المُتّصل بمزارع شبعا بطول نحو 25 كيلومتراً تقريبًا.

(4) يبلغ عددهم نحو 23 ألف في مُقابل نحو 26 ألف مُستوطن إسرائيلي أصبحوا يعيشون في الجولان.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر